لجنة مستقبل حي جبل عمان – شبكة تقارب الأردن تدفع بالأولويات المجتمعية نحو تنمية الحي

خطت لجنة مستقبل حي جبل عمان – شبكة تقارب الأردن خطوة جديدة نحو بلورة نهج مجتمعي لتنمية الحي، من خلال تحديد أبرز الأولويات الحضرية، والاتفاق على خطوات عملية لإشراك السكان وتحويل هذه الأولويات إلى مبادرات محلية قابلة للتنفيذ. وفي اجتماعها الثاني، الذي عُقد في 12 آب/أغسطس 2026، واصل أعضاء الشبكة البناء على النقاشات التي انطلقت في اجتماعها الأول، وبحثوا الاحتياجات الحضرية في جبل عمّان، والسبل التي تتيح للجهات المحلية العمل بصورة جماعية للاستجابة لها. وركز الاجتماع بصورة خاصة على الحلول المنطلقة من المجتمع، وتعزيز التنسيق بين الجهات الفاعلة في الحي، وتطوير آليات تتيح للسكان دوراً فاعلاً في رسم مسارات التنمية المحلية. وفي إطار تعزيز التكامل مع منظومة المجتمع المدني الأوسع في الأردن، اتفق الأعضاء على أن تكون “شبكة تقارب الأردن – مستقبل حي جبل عمّان” شريكاً داعماً للمنتدى الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف). ويشكل هذا التحالف الاستراتيجي جسراً يربط الجهود القاعدة المحلية بالمنصات الوطنية، مما يفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتنسيق، ويسهم بشكل جوهري في تسريع الترويج لنماذج الحوكمة التشاركية الشاملة وتكرارها على المستوى الوطني. وتتمثل الخطوة المقبلة للشبكة في عرض الأولويات التي حددتها خلال نقاشاتها على مجتمع جبل عمّان الأوسع من خلال جلسة استماع، تتيح للسكان مناقشة هذه الأولويات والتحقق من مدى تعبيرها عن احتياجاتهم، والإسهام في تطويرها قبل الانتقال إلى بلورة مبادرات محلية عملية. وفي تعليقها على مخرجات الاجتماع، قالت المهندسة ملاك سليمان، المنسقة الوطنية لمشروع «تقارب» في الأردن لدى النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض): «نجحت نقاشاتنا في تحديد أبرز الأولويات الحضرية في جبل عمّان، لكن دور الشبكة لا يتوقف عند تحديد الاحتياجات. فالخطوة التالية تتمثل في العودة بهذه الأولويات إلى المجتمع من خلال جلسة استماع، والإنصات مباشرة إلى السكان، والعمل معهم على ترجمتها إلى مبادرات محلية عملية». وتعكس تركيبة الشبكة طابعها التشاركي وتنوع الجهات الفاعلة في الحي، إذ تضم ممثلين عن المؤسسات العامة والبلدية، ومنظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والمنظمات الدولية، والمجتمع المحلي، والقطاعين الخاص والثقافي. ويشارك فيها ممثلون عن أمانة عمّان الكبرى، ووزارة الإدارة المحلية، ووزارة السياحة والآثار، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والجامعة الألمانية الأردنية، وجمعية سكان جبل عمّان، وجمعية حبيبي، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المحلي وجهات مؤسسية وفاعلين من القطاع الخاص. ومن خلال الحوار المستمر والعمل الجماعي، تسعى شبكة القرب المحلية في جبل عمّان إلى تطوير آليات عملية للمشاركة المجتمعية وصنع القرار المشترك، واختبار مقاربات يمكن أن تسهم في تنمية محلية أكثر شمولاً واستجابة لاحتياجات السكان. وقد تأسست الشبكة في إطار مشروع «تقارب – ربط شبكات القرب المحلية ودعم الحوكمة التشاركية»، الذي تشارك فيه النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بوصفها الشريك الوطني للمشروع في الأردن. ويحظى المشروع بتمويل من برنامج «Interreg NEXT MED»، وينفذه شركاء من الأردن وفلسطين ولبنان وإيطاليا وإسبانيا واليونان، بهدف تعزيز الحوكمة التشاركية من خلال توطيد التعاون بين السلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية وغيرها من الجهات الفاعلة.
تعزيز وصول اللاجئين إلى العدالة: النهضة (أرض) تسلط الضوء على خدماتها القانونية في مخيم الزعتري

في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز وصول اللاجئين إلى العدالة والحماية القانونية في الأردن، شاركت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، يوم الأربعاء 19 آب 2026، في جلسة تعريفية في مخيم الزعتري، ركزت على خدمات المساعدة القانونية المتاحة، وشروط الاستفادة منها، وآليات الوصول إليها. ونظمت المنظمة الدولية للهجرة الجلسة ضمن مشروع “دعم الوصول إلى العدالة في الأردن”، بالتنسيق مع وزارة العدل – مديرية المساعدة القانونية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والنهضة (أرض)، بهدف تعزيز معرفة اللاجئين والفئات الأكثر حاجة بالخدمات القانونية المتاحة والإجراءات العملية للاستفادة منها. وخلال الجلسة، استعرضت مديرية المساعدة القانونية في وزارة العدل الخدمات التي تقدمها، ومعايير الاستحقاق والوثائق المطلوبة والخطوات اللازمة للحصول على المساعدة القانونية لغير الأردنيين، فيما تناولت المفوضية دورها في توفير خدمات الحماية والمساعدة القانونية للاجئين. من جانبها، سلطت النهضة (أرض) الضوء على خدمات الحماية والمساعدة القانونية المجانية التي تقدمها للاجئين داخل مخيم الزعتري وخارجه، ضمن شراكتها المستمرة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن، موضحة آليات الوصول إلى هذه الخدمات وفق احتياجات كل حالة. وشارك في الجلسة من فريق النهضة (أرض) في مخيم الزعتري المحاميان محمد العريض وحامد يعقوب، اللذان ناقشا مع الحضور عدداً من القضايا القانونية المرتبطة بحياتهم اليومية، وأجابا عن استفساراتهم بشأن الحقوق والإجراءات والخدمات المتاحة. وتشمل خدمات النهضة (أرض)، بحسب طبيعة كل حالة، الاستشارات والوساطة والتمثيل القانوني والمتابعة أمام الجهات الرسمية، إلى جانب قضايا الوثائق المدنية والأحوال الشخصية والقضاء الشرعي والعمل وحقوق العمال، والإجراءات القانونية المرتبطة بالعودة الطوعية، وغيرها من قضايا الحماية. كما ينظم فريق المنظمة جلسات توعية قانونية دورية تستجيب لاحتياجات اللاجئين والمستجدات القانونية التي تمس حياتهم. وتستند هذه الخدمات إلى حضور قانوني متواصل للنهضة (أرض) في مخيم الزعتري منذ عام 2012، من خلال فريق يضم محامين وطاقماً إدارياً يعمل على متابعة الحالات والتنسيق مع الجهات الرسمية والمعنية داخل المخيم، بما فيها المحكمة الشرعية، ودائرة الأحوال المدنية والجوازات، وإدارة حماية الأسرة والأحداث، والجهات الأمنية، إلى جانب المفوضية والمنظمات الشريكة. ويأتي هذا العمل ضمن خبرة أوسع للنهضة (أرض) في مجال الحماية القانونية والوصول إلى العدالة، إذ تعمل منذ عام 2010 شريكاً قانونياً منفذاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن ضمن مشروع الحماية القانونية، وتقدم خدماتها للاجئين من مختلف الجنسيات داخل المخيمات وخارجها وفي مختلف محافظات المملكة، إلى جانب خدماتها القانونية للأردنيين في المجتمعات المحلية. وأتاح النقاش المفتوح في ختام الجلسة للاجئين طرح قضاياهم واستفساراتهم مباشرة على الجهات المشاركة، بما يعزز معرفتهم بحقوقهم وبالخدمات المتاحة وسبل الوصول إليها. كما أبرزت الجلسة أهمية تكامل أدوار المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المحلية في تحويل المساعدة القانونية من خدمة متاحة نظرياً إلى مسار يمكن للفئات الأكثر حاجة الوصول إليه والاستفادة منه فعلياً. وتثمن النهضة (أرض) التعاون مع المنظمة الدولية للهجرة ووزارة العدل والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تنظيم هذه الجلسة، مؤكدة أهمية استمرار التنسيق بين مختلف الجهات لتوسيع نطاق الحماية القانونية وتعزيز وصول اللاجئين والفئات الأكثر حاجة إلى حقوقهم وخدمات العدالة.
أصوات اللاجئين: رؤى حول العمل والحماية والمستقبل

كثيرًا ما يجري الحديث عن اللاجئين من خلال الإحصاءات والسياسات والبرامج الإنسانية والتقييمات المؤسسية. غير أن فهم تجربة اللجوء والنزوح يتطلب أيضًا الاستماع إلى من يعيشونها بأنفسهم. يمكن للشهادات المباشرة أن تكشف كيف تبدو السياسات والاستجابات الإنسانية من منظور اللاجئين أنفسهم: حالة عدم اليقين المرتبطة بتصريح العمل، وصعوبة الوصول إلى معلومات موثوقة، وتجربة ظروف العمل غير المتكافئة، أو الأمل في العودة إلى الوطن يومًا ما. وإتاحة المجال لهذه الأصوات لا تقتصر على توثيق قصص فردية، بل تتيح للاجئين التعبير بأنفسهم عما يهمهم، وما يتغير من حولهم، وما يعتقدون أنه يحتاج إلى مزيد من الاهتمام. تأتي هذه التأملات في سياق دور الأردن الممتد بوصفه من الدول الرئيسية المستضيفة للاجئين، وفي وقت يواجه فيه اللاجئون والمجتمعات المستضيفة والجهات الفاعلة في العمل الإنساني والمؤسسات الوطنية ضغوطًا اقتصادية متزايدة وتراجعًا في الموارد الإنسانية. وتعكس الآراء الواردة هنا تجارب فردية، ولا ينبغي اعتبارها ممثلة لجميع اللاجئين أو تقييمات مؤسسية لسياسات أو جهات بعينها. في حوارات مع سامية ومحمد وهدير وبيان، يتحدث أربعة أشخاص يمتلكون خبرة واسعة في أوساط مجتمعات اللاجئين والعمل الإنساني في الأردن عن جوانب مختلفة من تجربة اللجوء والنزوح. ولا تقدم شهاداتهم تجربة واحدة جامعة للاجئين، بل تطرح أربعة منظورات تشكلت بفعل خلفيات واهتمامات وتطلعات مختلفة. سامية: “لا أحد يختار أن يصبح لاجئًا” سامية طبيبة سودانية تتمتع بخبرة واسعة في مجال مناصرة قضايا اللاجئين والعمل الإنساني. تطوعت مع إحدى وكالات الأمم المتحدة المعنية باللاجئين بين عامي 2009 و2012، وشغلت منصب سفيرة وطنية بين عامي 2012 و2017، إلى جانب دورها كسفيرة للشباب في الأردن. وتتعاون مع النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) منذ عام 2010، كما عملت مع عدد من المنظمات الأخرى الداعمة للاجئين وطالبي اللجوء. وتبدأ رسالتها من الطريقة التي يُنظر بها إلى اللاجئين: “لا أحد يختار أن يصبح لاجئًا. نحن بشر مثل أي شخص آخر، وكل ما نطلبه هو أن نُعامل بكرامة واحترام” وترى سامية أن اللاجئين ينبغي أن يُعاملوا على قدم المساواة مع الآخرين، وألا يُنظر إليهم بدونية بسبب ظروف لم يختاروها. كما تتحدث عن حالة عدم الأمان المرتبطة بتصاريح العمل والحماية. ووفقًا لسامية، فإن اللاجئين غير السوريين الذين يتنازلون عن صفة اللجوء للحصول على تصريح عمل يفقدون حماية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وإذا أُلغي تصريح العمل لاحقًا، فقد يواجهون تبعات قانونية أو متعلقة بالإقامة، أو خطر الترحيل بسبب العمل بصورة غير قانونية. وتقول إن هذا الوضع يترك الناس في حالة من الخوف من فقدان وضعهم القانوني والحماية التي يعتمدون عليها في الوقت نفسه. أما دافعها الشخصي، فينبع من مساعدة أشخاص قد لا يجدون جهة أخرى يلجؤون إليها: “كثير من اللاجئين ليس لديهم أحد في الخارج يمكنه دعمهم. وعندما نستطيع تقديم المساعدة، ولو بشكل بسيط، أتذكر لماذا لهذا العمل كل هذه الأهمية.“ وتوضح أن كثيرًا من الناس يريدون ببساطة أن يشعروا بأن هناك من يسمعهم ويفهمهم. وبالنسبة لمن ليس لديهم أقارب أو أصدقاء في الخارج قادرون على تقديم دعم مالي، فإن حتى الدعم المجتمعي المحدود يمكن أن يُحدث فرقًا ملموسًا. محمد: الحاجة إلى إجابات وإلى صوت مباشر بدأ محمد العمل التطوعي في الأردن عام 2015، ومنذ عام 2016 يعمل على دعم اللاجئين من خلال منظمات إنسانية ومبادرات مجتمعية أطلقها بنفسه. وعندما سُئل عما يفتقده اللاجئون من أشكال الدعم، جاءت إجابته حاسمة: “كل شيء. كل شيء أصبح غير موجود.“ وتعكس إجابته مدى حدة التراجع الذي يلمسه في الدعم والفرص المتاحة. ويشير بصورة خاصة إلى المخاوف المتعلقة بالحماية والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي والاحتياجات الأساسية والوصول إلى سبل كسب العيش. كما يثير مسألة معايير الأهلية المرتبطة بالعمر، والتي يمكن، وفق تجربته، أن تحد من وصول بعض اللاجئين إلى فرص معينة لكسب العيش أو العمل، رغم استمرار قدرتهم ورغبتهم في العمل. إلا أن جانبًا أساسيًا من شهادته يتعلق بالمعلومات والتواصل. ويصف محمد كيف يتوجه اللاجئون إلى المتطوعين المجتمعيين بأسئلة حول تسجيلهم لدى المفوضية، متوقعين الحصول على إجابات أو حلول. إلا أن المتطوعين لا يستطيعون في كثير من الأحيان تقديم إجابات، لأنهم لا يمكن أن يتحدثوا باسم المفوضية أو الحكومة من دون التحقق من المعلومات أولًا. كما يتحدث بصراحة عن العبء النفسي الذي يضعه ذلك على المتطوعين أنفسهم. وخلال اجتماع حدث مؤخرا مع ممثلين عن المفوضية، يقول إن المتطوعين المجتمعيين طلبوا مزيدًا من التوضيح بشأن التطورات الأخيرة المتعلقة بتصاريح العمل، ومعايير الأهلية، ووثائق اللجوء، وما قد يترتب عليها بالنسبة للاجئين. كما اقترحوا توفير مزيد من الفرص التي تتيح للاجئين التواصل المباشر مع ممثلي المفوضية. وبالنسبة لمحمد، فإن هذا التواصل المباشر مهم: “نأمل أن تصل أصواتنا إلى من يستطيعون توحيد جهود الدعم بشكل عام.“ ويشير أيضًا إلى الأهمية المتزايدة التي يوليها المانحون للاستماع مباشرة إلى اللاجئين، إلى جانب المعلومات التي تقدمها المنظمات المنفذة. وتأتي رسالته الأخيرة بالوضوح ذاته: “نأمل ممن يقرأ هذا المقال أن ينظر إلينا بعين إنسانية. ونأمل أن يُنظر إلى اللاجئ لا بوصفه لاجئًا، بل إنسانًا، بغض النظر عن العِرق أو التوجه أو الجنسية أو الفئة.“ هدير: “أن أتمكن من العودة إلى الوطن“ هدير عراقية تعمل في القطاع الإنساني منذ عام 2016، بما في ذلك عملها مع منظمة دولية معنية باللاجئين، حيث ساهمت في دعم مجتمعات اللاجئين من خلال برامج إنسانية. وتركز شهادتها على عائق محدد أمام الاعتماد على الذات. وانطلاقًا من المخاوف التي أثارها محمد بشأن التصنيفات العمرية، تتساءل هدير بدورها عن معايير الأهلية المرتبطة بالعمر، والتي تقول إنها قد تستبعد بعض اللاجئين في سن العمل من فرص معينة، رغم استعدادهم وقدرتهم على العمل وإعالة أسرهم. وتتساءل كيف يمكن حرمان أشخاص ما زالوا قادرين على العمل ودعم أسرهم من الفرص التي تتيح لهم القيام بذلك. ومن وجهة نظرها، تخلق هذه التصنيفات عوائق غير ضرورية أمام اللاجئين الذين يحاولون الاعتماد على أنفسهم وإعادة بناء حياتهم. لكن عندما ينتقل الحديث من التحديات الآنية إلى ما تتمناه للمستقبل، تختصر هدير إجابتها في كلمات قليلة: “أن أتمكن من العودة إلى الوطن.“ بيان: عندما لا يعني الوصول إلى العمل الحصول على عمل عادل وصلت بيان إلى الأردن من سوريا عام 2014. وتشمل خبرتها في العمل الإنساني دعم الأطفال غير المصحوبين بذويهم والأطفال الأكثر عرضة للمخاطر مع منظمة دولية أخرى معنية باللاجئين، إلى جانب تقديم برامج المهارات الحياتية وبناء القدرات للبالغين. وتنقل شهادتها النقاش إلى الظروف التي قد يواجهها اللاجئون بعد دخولهم سوق العمل: “هناك الكثير من الظلم بحق العمال اللاجئين عمومًا، كأجور أقل.“ وتقول بيان إن اللاجئين قد لا يحصلون على أجر خلال الإجازة المرضية، وقد يتقاضون أجورًا أقل من موظفين آخرين يؤدون العمل نفسه. كما تصف ممارسات تقول إنها لاحظتها لدى بعض أصحاب العمل، من
الدورة الصيفية لمركز النهضة الاستراتيجي تستضيف الدكتورة عروب العابد

في إطار الدورة الصيفية لمركز النهضة الاستراتيجي حول «السياسة الدولية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا: الإرث الاستعماري، والنزوح، والحوكمة الإنسانية”، التي ينظمها مركز النهضة الاستراتيجي، التابع للنهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، بالشراكة مع جامعة بيرزيت، استضافت الدورة الدكتورة عروب العابد، الأكاديمية والباحثة المتميزة، في محاضرة ضيف تناولت قضايا اللاجئين والنزوح في المنطقة العربية. يركز عمل الدكتورة عروب العابد على الأبعاد الإنسانية للهجرة القسرية وحقوق اللاجئين في الشرق الأوسط، وتُعد من الأصوات الأكاديمية البارزة في دراسات النزوح الدولية. وتشغل حاليًا منصب أستاذ مشارك غير متفرغ في جامعة بيرزيت، إلى جانب عملها مسؤولة إقليمية في المركز اللبناني للدراسات، حيث تجمع في عملها بين البحث الأكاديمي والتحليل الميداني والدفاع عن حقوق الأشخاص المتأثرين بالنزوح. وخلال الجلسة، تناولت الدكتورة العابد الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعقدة التي تحكم حركة اللاجئين، مع التركيز على دور النزاعات وأسواق العمل الإقليمية. وأكدت أن العمل، رغم ضرورته للاجئين، غالبًا ما يكون مقيدًا بشروط تحد من فرصهم وتوفر لهم مستويات محدودة من الحماية. ومن أبرز محاور المحاضرة تركيزها على التجارب الحياتية للأشخاص الذين يعيشون واقع النزوح، بدلًا من الاكتفاء بالإحصاءات والأرقام. ومن خلال قصص وتجارب فردية، طرحت الجلسة أسئلة أساسية حول الظروف التي يعمل فيها اللاجئون، وكيف يمكن أن يندمجوا في الاقتصادات المحلية في ظل غياب الحقوق الكاملة والأمان الوظيفي والاجتماعي. وعلّق أحد الطلبة على الجلسة قائلًا: “أعجبتني الطريقة التي تحدّت بها هذه المحاضرة التصنيفات القانونية المبسطة لتجارب اللاجئين، وسلطت الضوء على أدوارهم كفاعلين اقتصاديين، لا كمجرد متلقين للمساعدات.“ وتقاطعت المحاضرة بشكل وثيق مع عدد من المحاور الرئيسية للدورة الصيفية، ولا سيما النزوح والعمل والاقتصاد السياسي. كما أضاف احد الطلبة:” نتقدم بجزيل الشكر للدكتورة عروب العابد على هذه الجلسة الثرية التي شجعتنا على النظر إلى اللاجئين ليس فقط بوصفهم متلقين للمساعدات، بل أيضًا كعمال وأفراد في أسرهم وفاعلين مستقلين، يتعاملون مع أنظمة سياسية واقتصادية معقدة.”
عالقون خلف الاحتيال: الترابط العالمي المتنامي بين الاتجار بالبشر والاحتيال

بقلم سيباستيان سبادافورا، متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي في تموز/يوليو 2025، أفادت صحيفة «الغد» الأردنية بمداهمة موقع في مدينة إربد. وبدت القضية في البداية كعملية احتيال مالي تقليدية، تقوم على تطبيقات استثمار وهمية تعد بعوائد مالية، ثم تختفي بمجرد إيداع الأموال. وخلال المداهمة، عُثر على 15 شخصًا من جنسيات آسيوية كانوا يديرون عمليات الاحتيال. لكن الإنتربول كشف لاحقًا جانبًا أكثر خطورة في القضية: هؤلاء العاملون كانوا هم أنفسهم ضحايا اتجار بالبشر، استُدرجوا بوعود عمل كاذبة، وصودرت جوازات سفرهم عند وصولهم، ثم أُجبروا تحت التهديد على تنفيذ عمليات الاحتيال. كما أُلقي القبض على شخصين يُشتبه في تنظيمهما للعملية. ظهرت هذه القضية أثناء التحقيق في قضية مختلفة تمامًا تتعلق بالاحتيال المالي، والتي صادف أن شاركت فيها وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في الأردن منذ البداية. وهذا يطرح سؤالًا مقلقًا: كم من الأشخاص، في هذه اللحظة، يتعرضون للاستغلال والاتجار والإجبار على تنفيذ عمليات الاحتيال هذه؟ ليست حالة إربد معزولة. فقد انتشرت عمليات الاحتيال الإلكتروني في مختلف أنحاء العالم، بينما ظل النشاط الإجرامي القسري الذي يغذي جانبًا منها متركزًا بدرجة كبيرة في جنوب شرق آسيا. ووفقًا للإنتربول، نُقل إلى هذه المنطقة 74% من ضحايا الاتجار بالبشر الذين جرى التعرف إليهم عالميًا في مراكز الاحتيال. وبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تسببت هذه العمليات بخسائر تراوحت بين 18 و37 مليار دولار أمريكي في شرق آسيا وجنوب شرقها خلال عام 2023 وحده. وبحلول مطلع عام 2025، أظهرت بيانات الإنتربول أن ضحايا من 66 دولة تعرضوا للاتجار بهم للعمل في مراكز الاحتيال الإلكتروني، في مؤشر على أن هذه الظاهرة باتت تمتد إلى مختلف القارات. وهكذا، أخذ الاتجار بالبشر والاحتيال الإلكتروني يتداخلان ضمن اقتصاد إجرامي عالمي مترابط، لم يعد محصورًا في مراكزه الرئيسية في جنوب شرق آسيا، بل بدأ يمتد إلى الشرق الأوسط وغرب أفريقيا. وقد تبدو حالة إربد محدودة مقارنة بحجم هذه الأرقام، لكنها تكشف كيف يمكن لظاهرة كانت تُعامل أساسًا بوصفها مشكلة إقليمية أن تتحول تدريجيًا إلى تحدٍ عالمي. وفي 30 تموز/يوليو من كل عام، تحيي الأمم المتحدة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وقد اختير لهذا العام عنوان يعكس هذا الترابط مباشرة: «عالقون خلف الاحتيال». ويسلط هذا العنوان الضوء على نمط متسارع من الاتجار بالبشر، تقوم فيه جماعات منظمة باستدراج الأشخاص والاتجار بهم وإجبارهم على ممارسة أنشطة إجرامية، بما فيها تنفيذ عمليات احتيال مالي واسعة النطاق تستهدف ضحايا في أنحاء العالم. وفي منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، نكتب عن هذه القضية لأنها لم تعد حكاية مرتبطة بعناوين الأخبار القادمة من كمبوديا أو ميانمار فحسب، بل ظاهرة ظهرت بالفعل داخل حدود الأردن، في حالة واحدة على الأقل نعرفها. ومن المهم هنا التمييز بين العاملين في هذه العمليات؛ فليس جميعهم ضحايا اتجار بالبشر، إذ يدخل بعضهم هذا المجال بإرادته وإدراك لطبيعة العمل، وقد يتقاضى بعضهم أجورًا مرتفعة. أما هذا المقال، فيركز على أولئك الذين لم يختاروا ذلك: الأشخاص الذين تعرضوا للخداع والإكراه والاتجار بهم، ثم أُجبروا على تنفيذ عمليات الاحتيال. ولفهم طبيعة هذه الظاهرة، من المهم النظر إلى جنوب شرق آسيا، حيث تكشف سنوات من التوثيق وشهادات الناجين كيف تعمل هذه الشبكات بعد ترسخها: من تستهدف؟ وكيف تستدرج ضحاياها؟ وكيف تدير عملياتها؟ ولماذا تستمر في التوسع رغم حملات الملاحقة والإغلاق؟ داخل مراكز الاحتيال في جنوب شرق آسيا تبدأ معظم القصص بالطريقة نفسها تقريبًا: عرض عمل يبدو مغريًا إلى درجة يصعب رفضه. قابلت منظمة العفو الدولية شابة تايلاندية تُدعى ليزا، كانت في الثامنة عشرة من عمرها وتبحث عن عمل خلال عطلة مدرسية. عُرض عليها راتب مرتفع للعمل في مجال الإدارة، وأُريت صورًا لمكان عمل يضم مسبحًا. لكنها، عند وصولها، نُقلت عبر الحدود إلى كمبوديا، حيث أمضت 11 شهرًا تعمل رغماً عنها في عدد من مجمعات الاحتيال الإلكتروني، تحت تهديد العنف، ومن دون السماح لها بالمغادرة، وفي ظل مراقبة أمنية مستمرة. ووثقت وكالة أسوشيتد برس تجربة مشابهة لسفير محمد كوريمانيل وصديقه المقرب، اللذين استجابا لعرض عمل يتعلق بالترويج للسياحة في تايلاند. لكن عند وصولهما إلى بانكوك، لم تنقلهما السيارة إلى فندق كما توقعا، بل إلى الحدود مع ميانمار، حيث تولى رجال مسلحون نقلهما إلى الجانب الآخر. وتكشف شهادة عبد السلام أن التجنيد لا يأتي دائمًا من غرباء. كان يعيش حياة عادية في بنغلاديش، ويحمل شهادة في الهندسة ويبحث عن فرصة عمل تساعده على إعالة أسرته، عندما تواصل معه أحد أقرب أصدقائه منذ أيام المدرسة وعرض عليه وظيفة جيدة الأجر في كمبوديا. وبعد وصوله، صودر جواز سفره بحجة تمديد تأشيرته واستخراج تصريح عمل، ثم حصل الوسيط على مبلغ مالي كبير من صاحب العمل الجديد، ونُقل عبد السلام إلى مجمع بعيد عن العاصمة.ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ فبعض الضحايا، بعد وقوعهم في الفخ، يُجبرون بدورهم على استدراج أصدقائهم وأفراد أسرهم إلى الشبكة ذاتها، أحيانًا بالقوة وأحيانًا مقابل المال. هذه القصص ليست استثناءات، بل نماذج لصناعة يُقدّر أنها تحتجز نحو 300 ألف شخص في مراكز الاحتيال المنتشرة في جنوب شرق آسيا. وقد استُدرج كثير منهم بعروض عمل وهمية، غالبًا في مجالات الكازينوهات الإلكترونية وخدمة العملاء والتداول المالي. وفي قلب هذه العمليات توجد فئتان من الضحايا: أشخاص يُتاجر بهم ويُجبرون على تنفيذ الاحتيال، وأشخاص يتعرضون للاحتيال على أيديهم. يُجبر العاملون الذين وقعوا ضحية الاتجار على التواصل مع غرباء عبر الإنترنت وبناء علاقات معهم تدريجيًا تبدو كأنها صداقات أو علاقات عاطفية حقيقية، ضمن أسلوب احتيالي يُعرف باسم «Pig Butchering». وبعد بناء الثقة، ينتقل الحديث إلى المال: فرصة استثمارية، أو منصة للعملات المشفرة، أو اقتراح لتنمية المدخرات معًا. وتحدث عبد السلام عن تطبيقات تداول وهمية أُجبر على استخدامها، وكانت مصممة بالكامل لخداع الشخص المستهدف. وبعد نجاحه في إقناع أحد الضحايا بالاستثمار، رُقّي إلى قائد فريق. لكن «النجاح» هنا لم يكن خيارًا، لأن الفشل كان يعني العقاب. فالضحايا الذين يثبتون مهارة في الاحتيال قد يُجبرون على تدريب آخرين وقيادتهم، تمامًا كما يُجبر بعضهم على استدراج أصدقائهم وأقاربهم. وقد تصل هذه العمليات إلى نطاق هائل. ففي وردية عمل واحدة، كان كوريمانيل ينتحل شخصيات نساء وهميات عبر عشرات الحسابات، ويتحدث مع أكثر من مئة شخص في الوقت نفسه. وخلال شهر واحد، أُجبر على استهداف نحو 50 ألف شخص في 17 دولة. وكانت القاعدة واضحة: الفشل له ثمن. وتكشف شهادات الناجين حجم العنف المستخدم لفرض الطاعة. فقد روت إحدى النساء اللواتي قابلتهن منظمة العفو الدولية أنها نُقلت إلى «غرفة مظلمة» مخصصة للعقاب، حيث أمسك بها أربعة رجال بينما ضربها رجل خامس على باطن قدميها بقضيب معدني. وتعرض كوريمانيل للضرب لأنه لم ينجح في خداع المستهدفين بالقدر المطلوب، فيما تعرضت
النهضة (أرض) تختتم المعسكر التدريبي الإقليمي لمشروع “تقارب” وتطلق الشبكة العابرة للحدود لتعزيز الحوكمة التشاركية والعمل الجماعي في المتوسط
اختتمت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) المعسكر التدريبي الدولي بعنوان “من شبكات القرب المحلية إلى العمل الجماعي: تعزيز الحوكمة التشاركية المحلية عبر الحدود“، والذي عُقد في عمّان خلال الفترة من 19 إلى 23 تموز/يوليو 2026، في إطار مشروع “تقارب” (CLOSER) – ربط شبكات القرب المحلية ودعم الحوكمة التشاركية، الممول من برنامج Interreg NEXT MED. وجمع المعسكر، الذي استضافته النهضة (أرض)، نحو 25 مشاركًا من شركاء المشروع، والسلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي المجتمعات المحلية من الأردن وفلسطين ولبنان وإيطاليا واليونان وإسبانيا، بهدف تبادل الخبرات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير مقاربات مشتركة للنهوض بالحوكمة التشاركية على امتداد منطقة البحر الأبيض المتوسط. وامتد المعسكر على مدار خمسة أيام، وشكل منصة للتعلّم المقارن والحوار السياساتي حول الحوكمة التشاركية، وتفعيل محلية العمل التنموي، والتنمية المحلية القائمة على المشاركة. ومن خلال ورش عمل تفاعلية قادها شركاء المشروع، وجلسات تبادل فني، وأنشطة تخطيط مشتركة، ناقش المشاركون سبل توظيف النماذج المحلية للحوكمة في بناء مؤسسات عامة أكثر شمولًا واستجابة وقدرة على الصمود، إلى جانب تعزيز الشراكات بين السلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، بما يسهم في تطوير خدمات عامة أكثر فاعلية وقربًا من احتياجات المواطنين. ونُظم المعسكر ضمن برنامج الحوكمة الرشيدة في النهضة (أرض)، وبالتعاون مع أمانة عمّان الكبرى بصفتها الشريك المساند للمنظمة في مشروع “تقارب“، في تجسيد لالتزام المنظمة المستمر بتعزيز الحوكمة التشاركية من خلال البرامج القائمة على الأدلة، والتعاون الإقليمي، والحوار السياساتي. كما استندت أعمال المعسكر إلى الخبرة البحثية التي يراكمها مركز النهضة الاستراتيجي في مجالات الحوكمة، والمشاركة المدنية، وتفعيل محلية العمل التنموي، بما يسهم في ردم الفجوة بين السياسات العامة والممارسة العملية، وإثراء النقاشات الإقليمية حول الحوكمة الشاملة وتعزيز قدرة المؤسسات على الصمود. وقالت المهندسة ملك سليمان، المنسقة الوطنية لمشروع “تقارب“ في النهضة (أرض): “جسد تصميم واستضافة هذا المعسكر روح التعاون التي يقوم عليها مشروع تقارب، حيث ترجم التعاون العابر للحدود إلى نموذج عملي للحوكمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن خلال جمع الممارسين من ست دول، تجاوزنا تبادل المعرفة التقليدي نحو التصميم المشترك لأدوات عملية تربط شبكات القرب المحلية بالاستراتيجيات المؤسسية. وقد برهن هذا المعسكر أن مواءمة جهود السلطات المحلية، والمجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، تشكل أساسًا لبناء إطار متوسطي أكثر تكاملًا وقدرة على الصمود، بما يعزز العمل الجماعي ويحول المعرفة المشتركة إلى ممارسات قابلة للتطبيق.” وافتُتح المعسكر بجلسات تناولت الأسس النظرية والعملية للحوكمة المحلية التشاركية، قبل الانتقال إلى مناقشة الحوكمة الشاملة باعتبارها شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المحلية المستدامة. وقدمت الدكتورة سلمى النمس، الخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي والسياسات العامة، جلسة تناولت فيها سبل تعزيز فعالية أنظمة الحوكمة من خلال دمج المقاربات المستجيبة للنوع الاجتماعي، وإيجاد فرص حقيقية وفاعلة لمشاركة النساء والشباب والفئات المهمشة في عمليات صنع القرار. وأكدت أن الشمول ليس بعدًا إضافيًا في إصلاح الحوكمة، بل يمثل أحد الشروط الجوهرية لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية وخضوعًا للمساءلة. وأضافت:”إن تحويل الحوكمة التشاركية من ممارسات متفرقة إلى معيار مؤسسي راسخ يعد أمرًا حيويًا لتعزيز قدرة أنظمة الحوكمة على الصمود على المدى الطويل. فعندما تدمج السلطات المحلية بصورة منهجية معارف المجتمعات المحلية في رسم السياسات وإعداد الموازنات، فإنها لا تكتفي باستشارة المواطنين، بل تعزز الثقة العامة، وتحسن تخصيص الموارد، وتبني مؤسسات أكثر مساءلة.” واستكمالًا لهذه الحوارات، تناولت الدكتورة مريم أبو سمرة، مديرة مركز النهضة الاستراتيجي، الحوكمة من منظور تفعيل محلية العمل التنموي وأطر الحوكمة متعددة المستويات، مستندة إلى تجارب مقارنة من المنطقة العربية. وأكدت أهمية إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية، وتمكين الأولويات والمعارف المحلية من الإسهام في رسم السياسات العامة وصنع القرار، مشيرة إلى أن تفعيل محلية العمل التنموي لا يقتصر على نقل الصلاحيات الإدارية، وإنما يقوم على ترسيخ نهج تشاركي يعزز المساءلة، والتماسك المجتمعي، والملكية الجماعية لعمليات التنمية. مبينة: “إن تفعيل محلية الحوكمة لا يقتصر على نقل المهام الإدارية، بل يتمثل في إعادة تنظيم السلطة والصلاحيات والموارد بحيث يصبح الفاعلون المحليون شركاء حقيقيين في صياغة القرارات التي تؤثر في مجتمعاتهم. والتحدي الذي نواجهه اليوم لا يتمثل في الاختيار بين الحوكمة المحلية أو الوطنية أو الإقليمية، بل في بناء منظومات مترابطة يعزز فيها كل مستوى المستويات الأخرى.” كما شارك شركاء مشروع “تقارب“ في جلسات فنية تناولت رسم خرائط الجهات المعنية، والتقييمات الإقليمية، وتحديات الحوكمة، والمنهجيات التشاركية، والتخطيط الاستراتيجي، إلى جانب استعراض الخبرات والتجارب العملية للدول الست المشاركة، ومناقشة الفرص والتحديات التي تواجه شبكات القرب المحلية في سياقات سياسية ومؤسسية واجتماعية مختلفة. وأبرزت هذه الجلسات أهمية التعلم المقارن والحوار بين الأقران في تطوير نماذج حوكمة أكثر قدرة على الاستجابة لخصوصية السياقات المحلية، وأكثر قابلية للتكيف مع التحديات المتغيرة. كما شهد المعسكر مشاركة السير تشارلز بيتري، الخبير الدولي في الحوكمة والمساعد الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة، عبر الاتصال المرئي، حيث ناقش التحول من النشاط المدني إلى الحوكمة المحلية التشاركية، مستعرضًا خبرات دولية في البيئات الهشة والانتقالية، ومؤكدًا أهمية بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وترسيخ المشاركة المجتمعية ضمن أنظمة حوكمة قادرة على الاستجابة للاحتياجات المحلية المتغيرة. حيث وضح:”لم يعد دعم أنظمة الحوكمة المحلية التشاركية مجرد طموح ديمقراطي، بل أصبح المسار الأكثر واقعية لإعادة بناء دول تتمتع بالشرعية والقدرة على الصمود. وعلى جهود بناء السلام الدولية أن تتجاوز الافتراض التقليدي القائم على المركزية، وأن تدرك أن السلام المستدام يبدأ من المستوى المحلي، حيث تُبنى الثقة وتُقدَّم الخدمات.” وشكلت الطاولة المستديرة الإقليمية حول أفضل الممارسات في الحوكمة التشاركية، التي نظمتها النهضة (أرض) بالشراكة مع جامعة أليكانتي، محطة رئيسية ضمن أعمال المعسكر، حيث جمعت ممثلين عن الوزارات، والبلديات، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، لاستعراض تجارب وممارسات واعدة في مجال الحوكمة التشاركية من مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأكدت النقاشات أهمية تطوير نماذج حوكمة تراعي خصوصية السياقات المحلية، مع تعزيز التعلم الإقليمي، وتبادل المعرفة، والتعاون عبر الحدود المؤسسية والجغرافية. وسلطت الجلسة الضوء على عدد من التجارب الأردنية الرائدة، من بينها مبادرة الديوانية للنقاش العام، التي قدمها الدكتور سامي حوراني كنموذج للحوكمة التشاركية والحوار المجتمعي، ومبادرة همتنا الصحية، التي قدمتها الدكتورة فاديا سمارة كنموذج للشراكات التشاركية في تنفيذ الخدمات العامة، إلى جانب مبادرة حديقة الملكة نور – الهاشمي الجنوبي، التي قدمتها المهندسة آية حماد من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، بوصفها نموذجًا لتطوير الفضاءات العامة بقيادة المجتمع المحلي. كما أضاف فولخينسيو سيردا، رئيس بلدية فيّينا وممثل جامعة أليكانتي:”تبدأ الحوكمة التشاركية الحقيقية من البلديات، حيث تلتقي السياسات العامة باحتياجات المواطنين اليومية. ويتيح لنا التعاون مع مؤسسات مثل النهضة (أرض) وجامعة أليكانتي ليس فقط تبادل خبراتنا المحلية، وإنما أيضًا التعلم من قادة البلديات والممارسين في مختلف أنحاء المتوسط، بما يعزز نماذج الحوكمة المحلية ويجعلها أكثر شمولًا وقدرة على الصمود.” ومن
المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين تزور النهضة (أرض) لبحث الأولويات المشتركة مع مرفأ

استضافت النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) وفداً من المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية في 15 تموز 2026، وذلك في إطار الزيارة الثانية للمؤسسة إلى الأردن. وجمع اللقاء أعضاء ملتقى الهجرة واللجوء في العالم العربي (مرفأ) للحوار وتبادل الخبرات حول قضية المفقودين في سوريا. كما أتاح الفرصة للمؤسسة المستقلة لاستعراض ولايتها وأعمالها الجارية أمام الجهات الفاعلة في المجتمع المدني على المستوى الإقليمي، والاستفادة في الوقت ذاته من المعارف والخبرات المتراكمة لأعضاء المنتدى وانخراطهم الممتد مع اللاجئين والنازحين السوريين في مختلف أنحاء المنطقة. وقد أُنشئت المؤسسة المستقلة بموجب قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023، استجابةً لسنوات من جهود المناصرة التي قادها الضحايا وأسر المفقودين، وتتمثل ولايتها في المساهمة في الكشف عن مصير وأماكن وجود المفقودين في سوريا، وتقديم الدعم لأسرهم. وفي ظل التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 100 ألف شخص ما يزالون في عداد المفقودين، تعمل المؤسسة على جمع المعلومات من الأسر، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات الدولية، والحكومات، بما يسهم في تعزيز الحقيقة، وصون الكرامة، وترسيخ المساءلة، وحماية حقوق المتأثرين بهذه القضية. وسلط الحوار الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني على المستويين المحلي والإقليمي في ضمان بقاء تجارب الأسر المتضررة وأولوياتها وأصواتها في صميم الجهود الدولية. واستعرض المشاركون الخبرات التي راكمتها النهضة (أرض) في الأردن عبر سنوات من العمل إلى جانب اللاجئين والنازحين السوريين، بما في ذلك التحديات القانونية والاجتماعية وقضايا الحماية التي تواجه أسر المفقودين، والجهود المبذولة للوصول إلى المجتمعات المحلية، وسبل تعزيز الوعي بالآليات المتاحة أمام الأسر للاستفادة منها. كما تناول الحوار الآثار الممتدة لحالات الاختفاء، التي تتجاوز فقدان أحد أفراد الأسرة لتطال مختلف جوانب الحياة. فكثيراً ما تواجه الأسر تعقيدات قانونية تتعلق بالإرث، والوصاية، والوثائق المدنية، والوصول إلى الحقوق والخدمات، بينما تتحمل النساء في كثير من الحالات أعباءً اجتماعية واقتصادية إضافية نتيجة الغياب المطوّل لأفراد أسرهن. وأكد المشاركون أن الاختفاء لا يمثل قضية إنسانية فحسب، بل يشكل أيضاً واقعاً قانونياً واجتماعياً ونفسياً بالغ التعقيد، يترك الأسر معلقة بين الأمل وعدم اليقين. وتجلّى البعد الإنساني لهذه التحديات عندما شارك أحد القادة المجتمعيين السوريين قصة شقيقه الذي فُقد خلال النزاع ولم يُعرف مصيره حتى اليوم. وخلال اللقاء، أوضحت المؤسسة المستقلة إجراءات فتح ملف للحالة، بما مكّنه من البدء بتوثيق واقعة الاختفاء، ومشاركة هذه المعلومات مع أفراد آخرين في مجتمعه قد يرغبون في التواصل مع المؤسسة. وعكس هذا التفاعل أهمية الشبكات المجتمعية الموثوقة في ربط الأسر بالآليات المتاحة، مع ضمان أن تبقى تجاربها وفاعليتها محوراً أساسياً في هذه الجهود. واختُتم اللقاء بالتأكيد على الالتزام المشترك بوضع حقوق أسر المفقودين وكرامتهم وأصواتهم في صميم الجهود المبذولة لمعالجة هذه القضية. كما أبرز أهمية مواصلة الحوار بين الآليات الدولية والمجتمع المدني الإقليمي، انطلاقاً من أن تحقيق تقدم حقيقي يتطلب الإصغاء إلى المجتمعات المتأثرة، والبناء على ما راكمته المنظمات المحلية والإقليمية من معرفة، وثقة، وخبرة عبر سنوات من العمل إلى جانبها.
دولارٌ من أجل المستقبل: ماذا يمكن أن يتركه هذا كأس العالم للتعليم؟

بقلم جول دوبوي، متدرب في مركز النهضة الاستراتيجي في السادس عشر من حزيران/يونيو 2026، وعلى ملعب سان فرانسيسكو، سجّل علي علوان أول هدف للأردن في تاريخ مشاركاته في كأس العالم لكرة القدم. ولثوانٍ معدودة، تحوّل هذا الحدث الرياضي العالمي، في نظر الأردنيين، من مناسبة تُتابَع عن بُعد إلى تجربة يعيشونها بكل تفاصيلها. ولم يكن هذا الهدف سوى جزء من لحظة تاريخية أوسع؛ إذ شهدت البطولة، وللمرة الأولى في تاريخها، مشاركة ثماني دول عربية هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، والمغرب، وقطر، والسعودية، وتونس، وهو ضعف الرقم القياسي السابق. ولم يسبق أن بدا كأس العالم بهذا القدر من القرب والارتباط بالشعوب العربية. وحملت هذه النسخة من البطولة جانباً آخر لا يقل أهمية، وإن لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به الأهداف والمباريات. فقد أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تخصيص دولار أمريكي واحد عن كل تذكرة تُباع خلال مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباريات، والتي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لصالح الصندوق العالمي للتعليم للمواطن العالمي (FIFA Global Citizen Education Fund). ويهدف الصندوق إلى جمع 100 مليون دولار بحلول المباراة النهائية في 19 تموز/يوليو، لتوجيهها إلى برامج التعليم والرياضة المجتمعية للأطفال في المجتمعات الأقل حظاً حول العالم، مع إتاحة منح تصل إلى 250 ألف دولار للمنظمات المجتمعية. ينتهي كأس العالم… لكن الحاجة إلى التعليم لا تنتهي تُختتم بطولة كأس العالم في 19 تموز/يوليو، وقد عادت المنتخبات العربية بالفعل إلى بلدانها. ومن خلال توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً للمرة الأولى، نجحت البطولة في جعل كأس العالم حدثاً شعبياً أكثر قرباً من مجتمعات عربية عديدة. إلا أن البطولة لم تغيّر حقيقة أخرى أكثر إلحاحاً؛ فبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، لا يزال نحو 30 مليون طفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خارج مقاعد الدراسة، بينما يعجز ستة من كل عشرة أطفال عن قراءة نص بسيط وفهمه عند بلوغهم سن العاشرة. ويُعد الأردن مثالاً واضحاً على هذه التحديات. فقد استوعبت المدارس الحكومية مئات الآلاف من الأطفال اللاجئين، ومع ذلك لا يزال أكثر من 112 ألف طفل خارج منظومة التعليم الأساسي، كما أن أعداداً كبيرة من اللاجئين الشباب لا يصلون إلى التعليم الثانوي، فيما يعتمد نحو نصف مليون طفل من لاجئي فلسطين في المنطقة على مدارس وكالة الأونروا، رغم التحديات المستمرة التي تواجه تمويلها. وانطلاقاً من رؤية شمولية للتعليم، تربط النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بين فرص التعلم والحد من الفقر والحماية الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي. فمن خلال مشروع الاستثمار في المستقبل، الذي تنفذه بالشراكة مع Vision Hope International، تجمع النهضة (أرض) بين التعليم الشامل والحماية القانونية للفئات اللاجئة الأقل وصولاً إلى الخدمات والأسر الأردنية الأكثر هشاشة. أما المرحلة المطوّرة من المشروع، الاستثمار في المستقبل بالذكاء الاصطناعي، فتركّز على إعداد الشباب لسوق عمل يشهد تحولات متسارعة، في حين يعمل التحالف الوطني لمستقبل التعليم في الأردن(نافع)، الذي تأسس عام 2017، على جمع الخبراء والمؤسسات العامة لدعم إصلاح قطاع التعليم على المستوى الوطني. وتؤكد تجربة النهضة (أرض)، المستندة إلى حضورها الميداني في الأردن، حقيقة بسيطة مفادها أن الاستثمار في التعليم لا يقتصر على توفير فرص التعلم، بل يعني تهيئة الظروف اللازمة لإحداث تحول اجتماعي طويل الأمد. وربما لا يوجد مثال أوضح على ذلك من كرة القدم نفسها؛ فالنجاح في الملاعب هو ثمرة استثمار متواصل في تنمية المواهب الشابة. ويُعد الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 خير دليل، إذ أسهمت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي افتُتحت قرب الرباط عام 2009، في إعداد عدد من اللاعبين الذين صنعوا ذلك الإنجاز، من بينهم يوسف النصيري وعز الدين أوناحي. من لحظة عابرة إلى نموذج قابل للتطبيق سيُخصص دولار أمريكي واحد عن كل تذكرة تُباع خلال البطولة لصالح الصندوق العالمي للتعليم للمواطن العالمي. وقد يبدو هذا المبلغ متواضعاً مقارنة بأسعار بعض تذاكر المباريات أو بالإيرادات الضخمة التي يحققها كأس العالم. وكما هو الحال مع أي صندوق عالمي يُعلن عنه في مناسبة كبرى، فإن وصول أثره إلى الصفوف الدراسية والأطفال المستفيدين يحتاج إلى وقت. ومع ذلك، فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في حجم التمويل الذي قد تجمعه، بل في الفكرة التي تقوم عليها. فمبدأ اقتطاع نسبة تضامنية من قيمة التذاكر ليس جديداً، لكن اللافت هو إدماجه في صميم حدث جماهيري عالمي بهذا الحجم. ولأن هذا النموذج أثبت نجاحه في سياقات أخرى، فإنه يستحق اهتمام منطقتنا، حيث لا تزال الاحتياجات التعليمية كبيرة، وفي الوقت نفسه تمتلك المجتمعات قدرة واسعة على التعبئة والتضامن. وخارج إطار كرة القدم، تزخر الساحة الثقافية العربية بفرص مماثلة. للعالم العربي أيضاً مواسمه الجماهيرية الكبرى في كل صيف، وبين الأعمدة الرومانية لإحدى أبرز المدن الأثرية في بلاد الشام، يتحول مهرجان جرش للثقافة والفنون إلى منصة نابضة بالحياة، تستقطب مئات الفنانين وجمهوراً واسعاً من داخل الأردن وخارجه. ويُقام المهرجان برعاية ملكية خلال أواخر تموز/يوليو وأوائل آب/أغسطس، وقد ضمت دورته التاسعة والثلاثون أكثر من 235 فعالية فنية وثقافية وأدبية، شملت حفلات لكبار الفنانين الأردنيين والعرب، وعروضاً مسرحية، وأمسيات شعرية، بمشاركة ممثلين عن 37 دولة، فيما يستقطب كل عام نحو 150 ألف زائر. وفي الجنوب، باتت المواسم والمهرجانات الثقافية في المملكة العربية السعودية تجذب ملايين الزوار. فقد استقطب موسم الرياض وحده أكثر من 16 مليون زائر في نسخة عام 2024، وفقاً للهيئة العامة للترفيه، بينما تجاوز إجمالي حضور الفعاليات الترفيهية في المملكة 75 مليون زائر خلال السنوات الخمس الماضية. ومن كأس العرب، إلى المهرجانات السينمائية، ومعارض الكتب في القاهرة والشارقة، والحفلات الموسيقية التي تملأ مدرجات قرطاج وبعلبك، يشهد العالم العربي رزنامة ثقافية غنية ومتنامية، تحظى بإقبال جماهيري واسع. وتشترك هذه الفعاليات جميعها في عنصر أساسي يتمثل في قدرتها على جمع الناس حول الاحتفاء والثقافة والانتماء المشترك، وهو ما يشكل أساساً طبيعياً لأي آلية تضامن مجتمعي. فإضافة مساهمة رمزية إلى قيمة كل تذكرة، سواء كانت ديناراً أو ريالاً أو درهماً، وتوجيهها بشفافية إلى برامج تعليمية تستهدف الأطفال والشباب الأكثر هشاشة في المنطقة، يمكن أن يمنح هذه الفعاليات بعداً تنموياً ملموساً. بل إن كثيراً من الحضور قد يشعرون بارتياح أكبر عندما يعلمون أن جزءاً من ثمن تذكرتهم يسهم في غاية تتجاوز حدود العرض الفني أو الرياضي نفسه. وربما تمتلك منطقتنا ميزة إضافية مقارنة بمبادرة كأس العالم. فالدولار الذي يُقتطع من تذكرة بيعت في أمريكا الشمالية يحتاج إلى عبور القارات والمؤسسات قبل أن يصل إلى مدرسة أو برنامج تعليمي. أما مساهمة المتفرج الذي يغادر مهرجان جرش، أو أي مهرجان آخر في المنطقة، فلن تحتاج إلا إلى مسافة قصيرة لتصل مباشرة إلى مدرسة، أو مبادرة تعليمية، أو برنامج يدعم الأطفال والشباب الأكثر حاجة. وهذه المسافة
النهضة (أرض) تطلق شبكة «تقارب – الأردن» لتعزيز الحوكمة التشاركية
عقدت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) الاجتماع الافتتاحي لشبكة «تقارب – الأردن» بتاريخ 6 تموز/يوليو 2026 في إطار مشروع تقارب (CLOSER): ربط شبكات القرب المحلية ودعم الحوكمة التشاركية. وتعتبر الشبكة امتداداً لتجربة لجنة مستقبل جبل عمّان، وتتخذ من الحي نموذجاً أولياً لاستكشاف وتطوير مقاربات للحوكمة التشاركية تقوم على تعزيز التعاون بين المجتمعات المحلية والمؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص. وتهدف المبادرة إلى إرساء آليات عملية للحوار والعمل الجماعي وصنع القرار التشاركي، بما يسهم في تطوير مقاربات أكثر شمولاً واستجابةً لأولويات المجتمعات المحلية في مجالات التنمية الحضرية والحوكمة المحلية. حيث تجسد الشبكة نهجاً تعاونياً متعدد الأطراف، إذ تجمع ممثلين عن المؤسسات الحكومية والبلدية، ومنظمات المجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والمنظمات الدولية، والمجتمعات المحلية، إلى جانب القطاعين الخاص والثقافي. ويشارك في الشبكة ممثلون عن أمانة عمّان الكبرى، ووزارة الإدارة المحلية، ووزارة السياحة والآثار، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، والجامعة الألمانية الأردنية، وجمعية سكان جبل عمّان، وجمعية حبيبي، وممثلون عن المجتمع المحلي، كما تضم الشبكة كلاً من سعادة السيد مايكل نزال، ومؤسسة الزمردة للتحف، ودار جبل عمّان للنشر، ومبادرة قادة الغد من خلال منصة «سوق فن».بما يعكس قناعةً مشتركة بأن التنمية الحضرية المستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال شراكات تربط بين الأدوار المؤسسية والخبرات الفنية من جهة، والمعرفة المجتمعية والخبرات المحلية والقيادات المجتمعية من جهة أخرى. وخلال الاجتماع الأول، ناقش أعضاء الشبكة خارطة طريق أولية تركز على تحديد وتبادل الممارسات المحلية والإقليمية الواعدة، وتعزيز التعاون بين الجهات المشاركة، واستكشاف سبل تكييف وتطبيق نماذج الحوكمة المجتمعية ضمن المؤسسات والسياقات المحلية المختلفة. وفي هذا السياق، قالت م. ملاك سليمان، مديرة مشروع «تقارب» في النهضة (أرض): «تهدف شبكة “تقارب – الأردن” إلى الإسهام في تطوير نماذج حوكمة منطلقة من الواقع المحلي، تضع المجتمعات في صميم التخطيط الحضري وصنع السياسات العامة، وتنتج خبرات ودروساً عملية يمكن البناء عليها لتعزيز مسارات الحوكمة التشاركية واللامركزية في الأردن والمنطقة.» ومن خلال هذه الشبكة، تسعى النهضة (أرض) إلى دعم نماذج مستدامة على مستوى الأحياء المحلية في جبل عمّان، والإسهام في إنتاج معرفة تطبيقية وخبرات عملية يمكن أن تثري جهود الحوكمة التشاركية والتنمية المحلية في الأردن ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. نبذة عن مشروع «تقارب» تقارب (CLOSER): ربط شبكات القرب المحلية ودعم الحوكمة التشاركية هو مشروع ممول من برنامج Interreg NEXT MED، ويُنفّذ بالشراكة بين مؤسسات من الأردن وفلسطين ولبنان وإيطاليا وإسبانيا واليونان. ويهدف المشروع إلى تعزيز الحوكمة التشاركية من خلال تشجيع التعاون بين السلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، بما يسهم في المشاركة في تصميم فضاءات عامة جامعة، وتطوير سياسات تنموية مستدامة ومنطلقة من الأولويات والاحتياجات المحلية.
الأطفال تحت الهجوم: سلسلة متصاعدة من الهشاشة

بقلم جوليا زورزو، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي يشكّل شهر حزيران/يونيو وقفة عالمية للتأمل والمناصرة الإنسانية، إذ يجمع بين ثلاث مناسبات أممية بارزة: اليوم الدولي لضحايا العدوان الأبرياء من الأطفال (4 حزيران)، واليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال (12 حزيران)، واليوم العالمي للاجئين (20 حزيران). وتسلّط هذه المناسبات الضوء على الترابط العميق بين أشكال العنف والانتهاكات التي تطال واحدة من أكثر الفئات هشاشة في العالم: الأطفال. واليوم، يعيش نحو 412 مليون طفل في فقر مدقع، فيما يفتقر ملايين آخرون إلى أبسط مقومات الحياة. كما يعيش أكثر من طفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم في سياقات متأثرة بالنزاعات، حيث يطال العنف كل جوانب حياتهم ويقوض فرصهم في النمو والعيش بكرامة. وبين عامي 2010 و2024، ارتفع عدد الأطفال النازحين بسبب النزاعات والعنف من 17 مليوناً إلى 48.8 مليون طفل، في مؤشر مقلق على تفاقم الأزمات الإنسانية عالمياً. ولا يقتصر أثر النزاعات على التهجير القسري، بل يضع الأسر في دوامة من الهشاشة الاقتصادية والقانونية تدفعها إلى تبني استراتيجيات بقاء قاسية. وفي هذا السياق، يجد الأطفال أنفسهم عرضة لأسواق العمل الاستغلالية التي تحتجز اليوم نحو 138 مليون طفل حول العالم، وتزيد من احتمالات تعرضهم للإساءة والعنف والاستغلال. الإطار القانوني الدولي: أسس حماية الطفل طوّر المجتمع الدولي على مدار عقود منظومة قانونية متعددة المستويات تهدف إلى حماية الأطفال من تداعيات النزاعات والنزوح والاستغلال الاقتصادي. اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (1989): تشكل حجر الأساس في حماية حقوق الطفل، إذ تكرّس مجموعة شاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتستند إلى مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”. حماية الأطفال في النزاعات المسلحة: عززت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الحماية من خلال إنشاء ولاية الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، إلى جانب البروتوكولات الاختيارية لاتفاقية حقوق الطفل المتعلقة بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة واستغلالهم. مكافحة عمل الأطفال: تحدد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (138) الحد الأدنى لسن العمل، فيما تحظر الاتفاقية رقم (182) أسوأ أشكال عمل الأطفال، بما في ذلك التجنيد القسري والاتجار والاستغلال الجنسي. حماية الأطفال اللاجئين: تستند إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، إضافة إلى أطر قانونية وإقليمية ووطنية أخرى في العديد من الدول المضيفة. فجوات الحماية والتحديات البنيوية على الرغم من هذا الإطار القانوني المتقدم، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الالتزامات القانونية والحماية الفعلية للأطفال. فالكثير من الأدوات القانونية القائمة لا تستجيب بصورة كافية للاحتياجات الخاصة للأطفال في حالات النزاع والنزوح. كما أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 صيغت من منظور يركز على البالغين، ولم تتناول بشكل صريح أشكال الاضطهاد الخاصة بالأطفال أو احتياجاتهم المرتبطة بالعمر، مثل الحرمان من التعليم أو التجنيد القسري. وتتفاقم هذه التحديات بفعل ضعف مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية، ومحدودية الموارد، وهشاشة المؤسسات، وضعف أنظمة حماية الطفل في العديد من الدول المضيفة. كما تحتفظ بعض الدول بتحفظات على أحكام جوهرية في اتفاقية حقوق الطفل، لا سيما تلك المتعلقة بعمل الأطفال، وسن الزواج، ومساءلة الدولة. وفي ظل غياب آليات إنفاذ فعّالة وعقوبات رادعة، تتحول العديد من الالتزامات الدولية إلى مجرد تعهدات سياسية تفتقر إلى المساءلة الحقيقية، بما يرسخ مناخاً من الإفلات من العقاب. اتساع دائرة العنف والاستغلال يعيش اليوم نحو 473 مليون طفل في دول متأثرة بالنزاعات، بينما يحمل حوالي 13 مليون طفل صفة لاجئ، أي ما يقارب 40% من إجمالي اللاجئين في العالم. ويواجه هؤلاء الأطفال مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال، خاصة الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أسرهم. وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر من العنف في سياقات النزوح والأزمات الإنسانية، حيث يشكلن 95% من الحالات الموثقة، ويتعرضن للاستغلال الجنسي والاتجار والزواج المبكر أو القسري. كما أظهر التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة أن الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في عام 2024 وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بزيادة بلغت 25% مقارنة بالعام السابق. وتؤكد الأدلة وجود علاقة مباشرة بين النزوح وعمالة الأطفال، مدفوعة بانعدام الأمن الاقتصادي، وضعف فرص التعليم، وانتشار الممارسات الاجتماعية التي تتسامح مع الاستغلال. وتشير التقديرات العالمية للعبودية الحديثة إلى أن طفلاً واحداً من كل أربعة ضحايا للعبودية الحديثة يقل عمره عن 18 عاماً، وأن نحو 4.3 مليون طفل يخضعون للعمل القسري. جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا: الأطفال على خطوط الصدع تتجسد هذه الحلقة المتصاعدة من الهشاشة بصورة مأساوية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث تتصادم المبادئ القانونية الدولية مع واقع يومي يعيشه الأطفال في ظل النزاعات الممتدة والانهيارات الاقتصادية. فلسطين بحلول أيار/مايو 2025، قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من 50 ألف طفل في غزة قُتلوا أو أصيبوا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبعد انهيار وقف إطلاق النار في آذار/مارس 2025، قُتل أكثر من 1,300 طفل إضافي وأصيب نحو 3,700 آخرين. وقد أدى الاستهداف المتكرر للمدارس والمستشفيات والمنازل إلى سقوط أعداد متزايدة من الضحايا الأطفال، ما دفع اليونيسف إلى وصف غزة بأنها “حرب على الأطفال” و”أخطر مكان في العالم بالنسبة للأطفال”. وفي الضفة الغربية، يتعرض الأطفال الفلسطينيون بصورة متواصلة للقتل والإصابة جراء اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية، فيما أدى التصعيد إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية. كما تسبب الحصار المفروض على إدخال المساعدات الغذائية في وفاة أطفال بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد، في وقت تعرضت فيه 95% من البنية التحتية التعليمية للتدمير أو الضرر، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم. ويواجه الأطفال الفلسطينيون كذلك أنماطاً متعددة من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتقال الإداري والمحاكمات العسكرية التي تنتهك معايير عدالة الأحداث، فضلاً عن التعرض للإساءة الجسدية والنفسية والجنسية. لبنان يستضيف لبنان أعلى نسبة من اللاجئين مقارنة بعدد السكان في العالم، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة تجد الأسر اللاجئة نفسها في حالة من الهشاشة المستمرة. وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 68% من الأسر السورية تعيش تحت الحد الأدنى للبقاء، ما يدفع العديد منها إلى الاعتماد على عمل الأطفال في الزراعة والبيع المتجول والقطاع غير الرسمي كآلية للبقاء. أما اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، فيواجهون أشكالاً متجذرة من التهميش والإقصاء القانوني والاقتصادي، حيث تتجاوز معدلات الفقر بينهم 80%، وتدفع القيود المفروضة على فرص العمل الأطفال إلى الانخراط المبكر في سوق العمل غير الرسمي. نحو حماية أكثر فاعلية عندما تفشل منظومات المساءلة الدولية، يدفع الأطفال الثمن الأكبر. ففي المشهد الجيوسياسي الراهن، لم يعد الأطفال مجرد ضحايا عرضيين للنزاعات، بل أصبحوا أهدافاً مباشرة وأدوات تُستخدم في الحروب. وتنتج