مصادر علم الكلام: حصيلة راهنة

في السنوات الأخيرة، تغيّرت نوعيًا العُدّة البحثية المتعلقة بعلم الكلام، وذلك بتحقيق ونشر عدد من الأعمال المؤسسة التي عُثر عليها في الأعوام الماضية. وهكذا أصبح بحوزتنا كتب من المرحلة الاعتزالية المبكرة، مثل: «التحريش» لضرار بن عمرو (المتوفى سنة 200هـ)، و«مقالات» أبي القاسم البلخي الكعبي (ت 319هـ)، بالإضافة إلى ما يُعتقد أنه «مقالات» أبي علي الجبائي (ت 303هـ)، فضلًا عن عدد من أهم أعمال الاعتزال الزيدي، مثل: «عيون المسائل» للحاكم الجشمي (ت 494هـ)، و«المعتمد في أصول الدين» لمحمود الملاحمي (ت 536هـ)، وكتاب «المنهاج في أصول الدين» لمحمود بن عمر الزمخشري (ت 538هـ).

وفي التراث الأشعري، وبعد صدور «مجرد» ابن فورك (ت 406هـ)، الذي يقدم لنا أهم كتاب ينقل فكر أبي الحسن الأشعري من كتبه المفقودة، صدرت أربعة مجلدات من موسوعة أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) «هداية المسترشدين»، وشرح أبي القاسم الأنصاري (ت 512هـ)، تلميذ الجويني (ت 478هـ)، لكتاب شيخه «الإرشاد»، وكتاب «الغنية» لتلميذ الجويني الآخر، أبي القاسم الأنصاري (ت 512هـ).

وقد أُميط اللثام عن التقليد الكلامي الحنبلي من خلال أعمال أساسية، أهمها «المعتمد في أصول الدين» لأبي يعلى الفراء (ت 408هـ). كما شكّل اكتشاف «رسائل» عبد الله بن يزيد الفزاري، الذي توفي في نهاية القرن الثاني الهجري، في القدر والتوحيد والرد على المجسمة، تحولًا نوعيًا في دراسة علم الكلام الإباضي المبكر، الذي كان ينافس الاعتزال في العمق والحيوية السجالية. وفي السنوات الأخيرة، نُشرت أعمال كبار المتكلمين الماتريديين، بدءًا من كتاب «التوحيد» لأبي منصور الماتريدي (ت 333هـ)، و«أصول الدين» للبزدوي (ت 493هـ)، الذي يضم معلومات كلامية كثيفة تهم الباحثين ومؤرخي علم الكلام. ومن شأن هذه الاكتشافات والإصدارات أن تراجع العديد من المسلمات والأحكام الجاهزة المنتشرة في الدراسات الكلامية.

وهكذا يمكننا اليوم التمييز بين أربعة مصادر رئيسية لعلم الكلام، هي: كتب المقالات والفرق والملل والنحل، وكتب طبقات المتكلمين، وكتب الجدل الكلامي، وكتب العقائد المقننة لأصول الدين. وهذه الأصناف الأربعة شديدة التباين من حيث المناهج والتوجهات والمضمون.

وبخصوص كتب المقالات، التي نتوفر اليوم على عملين رئيسيين منها، هما: «مقالات» البلخي المعتزلي و«مقالات الإسلاميين» للأشعري، نلاحظ، مع جوزيف فان إس، أنها لا تهدف إلى ضبط معتقدات صحيحة، بل هي مدونات يُستند إليها في المناظرات الجدلية، وترتبط بالكتابة الديوانية للدولة في تصنيفها للفرق والجماعات المنضوية تحتها. أما كتب الفرق والملل، مثل: «الفرق بين الفرق» للبغدادي (ت 429هـ)، و«الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم (ت 456هـ)، و«الملل والنحل» للشهرستاني (ت 548هـ)، فهي تنطلق من مقدمات عقدية كلامية تكون خلفية لتقويم المذاهب والآراء المتناولة. ولا شك أن أهم هذه الكتب هو كتاب الشهرستاني، الذي تحرى فيه الموضوعية والحياد من خلال منهجه الذي يركز على مسائل الاعتقاد بوصفها ضابطًا لتصنيف الفرق، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والإمامة. لكنه ظل، في نهاية المطاف، محكومًا بسقفه العقدي في تقويم الآراء المخالفة للأشعرية، وهي المذهب الذي يدافع عنه في الكتاب. وقد سلك مسلكه فخر الدين الرازي (ت 606هـ) في كتابه «الرياض المونقة في آراء أهل العلم والمنطق».

أما كتب الطبقات، فهي في الغالب تهدف إلى صياغة سردية نسقية متأخرة لأصحاب المذهب الكلامي، من خلال إعادة بناء تاريخ المذهب وتحديد أصوله، كما نلمس في كتاب «طبقات المعتزلة» المنسوب إلى القاضي عبد الجبار (ت 415هـ)، وكتاب «تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام الأشعري» لابن عساكر (ت 571هـ)، و«طبقات الشافعية الكبرى» لتقي الدين السبكي (ت 756هـ).

وفي حين مال متأخرو المعتزلة إلى وضع كتب مدرسية تحاول التوفيق بين الآراء شديدة التعارض داخل المذهب، من خلال الأصول الخمسة التي بلورها العلاف وشرحها القاضي عبد الجبار، اعتمد أهل السنة من الماتريدية وأهل الحديث الأثريين كتابة مصنفات عقدية نسقية، مثل: «عقيدة» الإمام الطحاوي (ت 321هـ)، و«عقيدة» ابن بطة العكبري (ت 387هـ)، وكتاب «التوحيد» للماتريدي. وسلك الإباضية المسلك ذاته.

أما الأشاعرة، فيبدو أنهم حافظوا على تقليد مزدوج، يجمع بين كتابات الجدل النظري، التي هي أساس التفكير الكلامي، وكتب العقائد التي غالبًا ما تكون قريبة من التصورات الأثرية الرافضة للتأويل العقلي في الموضوعات الإيمانية.

وتلك الثنائية هي ما نلمسه منذ أبي الحسن الأشعري في كتابيه «اللمع»، الذي كُتب وفق فن الكلام الجدلي، و«الإبانة»، التي أُريد لها أن تكون عقيدة عمومية ملائمة للمذهب الحنبلي. وقد ظهرت هذه الثنائية لدى الباقلاني في كتابيه «هداية المسترشدين» و«التمهيد»، الذي وضع فيه عقيدة عامة، ولدى الجويني في موسوعته «الشامل» وكتابه «العقيدة النظامية»، الذي تخلى فيه عن مسلك التأويل العقلي للصفات الإلهية، ولدى فخر الدين الرازي في موسوعته «المطالب العالية من العلم الإلهي»، التي وصل فيها إلى قمة البحث الكلامي الفلسفي، وكتابه «الأربعين في أصول الدين»، الذي كُتب على الطريقة الأثرية الحنبلية.

نخلص من هنا إلى زيف النقاش المألوف حول نسبة كتاب «الإبانة» إلى الأشعري أو تعرض الكتاب للتحريف، وإلى خرافة تراجع أئمة الأشعرية عن التقليد الكلامي. فالأمر هنا لا يعدو كونه استراتيجية نظرية وعملية دقيقة، تصدر عن اتفاق الأشاعرة، في عمومهم، على أن علم الكلام لا يهدف إلى بناء عقيدة مرجعية لعموم المسلمين، بل إن هدفه محصور في الرد على الشبهات التي يطرحها الخصوم حول العقيدة، ومن ثم فإن وظيفته دفاعية علاجية محضة. أما أصول الاعتقاد الصحيح، فيجب أن تُقام على أساس ظاهر النص، مع تجنب التأويل من دون تشبيه، وعدم الدخول في المعضلات النظرية التي تشوش على إيمان العامة. إن هذا التصور للأمن العقدي لا يتعارض مع المبحث الكلامي، خصوصًا إذا أدركنا أن التقليد الأشعري المتأخر اتجه إلى دمج المفاهيم والممارسات الصوفية في قلب الفكر الكلامي، لسد الفراغ اللاهوتي فيه، أي المضمون الإيجابي المتعلق بمعرفة الله في ذاته وصفاته، مع التخلي تدريجيًا عن المقولات الموروثة عن الجدل الاعتزالي، لصالح مفاهيم فلسفية أكثر رصانة وعمقًا بعد المنعرج السينوي.