يوم أردني في حياة المجتمع المدني الإنساني الدولي

إخلاء مسؤولية: يعكس هذا النص وجهة نظر شخصية بحتة، ولا يمثل أي رأي سوى رأي كاتبه.

 

وصلتُ إلى الأردن عام 2019 ممثلاً لمنتدى المنظمات غير الحكومية الدولية، قادماً مباشرةً من جمهورية أفريقيا الوسطى. ولا بد أن أعترف بأن التباين كان لافتاً. فقد بدت الموارد الإنسانية المعبأة في الأردن آنذاك هائلة مقارنةً بما هو متاح في بعض السياقات الأفريقية. لكن، إلى جانب الموارد المالية والتشغيلية، كان أكثر ما لفت انتباهي هو مستوى الكفاءة والخبرة والتنظيم الذي يتمتع به القطاع الإنساني في الأردن.

في تلك اللحظة، تساءلتُ حتى عن سبب وجودي هناك. هل كان الأردن بحاجة حقاً إلى خبرتي؟ ففي بلد يضم مهنيين إنسانيين متمرسين، ودبلوماسيين ذوي خبرة، وخبراء عملوا في أكبر المؤسسات الدولية، كان هذا التساؤل مشروعاً. لم يكن دوري يتمثل في جلب خبرة خارجية وكأنها غير موجودة أصلاً، بل في الاستماع، وفهم ديناميكيات القوة، وتحديد مواطن التعثر داخل المنظومة، والمساهمة، بتواضع، في فتح مساحات للحوار بين الأطراف التي يمتلك كل منها جزءاً من الحل.

 

في الواقع، يشغل أردنيون كثيرون مناصب عليا وإدارية في المنظمات الدولية. كما أن العديد من المنظمات غير الحكومية الوطنية تستند إلى هذا الرصيد الكبير من المعرفة والخبرة، إذ عمل الكثير من كوادرها سابقاً في الأمم المتحدة، أو في منظمات دولية كبرى، أو في مؤسسات التعاون الدولي.

 

في هذا السياق، كان من المتوقع أن تكون عملية “تفعيل محلية العمل الإنساني” قد قطعت شوطاً كبيراً. وأقصد بذلك الاعتراف بالمنظمات الوطنية وتعزيز دورها وإدماجها بوصفها فاعلاً كاملاً في الاستجابة الإنسانية، بدلاً من التعامل معها بوصفها مجرد جهة منفذة. وفي بلد مثل الأردن، حيث تتوفر الخبرات الوطنية المتراكمة منذ عقود، بدا هذا الأمر بديهياً تقريباً.

لكن عند وصولي لم يكن الأمر كذلك. فالمنظمات غير الحكومية الوطنية لم تكن حاضرة حتى في نظام تنسيق الاستجابة للاجئين الذي تقوده مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. كانت هذه المنظمات نشطة وتمتلك خبرة حقيقية ومعرفة ميدانية واسعة، لكنها بقيت إلى حد كبير خارج هذه المنظومة الإنسانية الدولية التي تنظم الأولويات والتمويل والتبادل الفني والتمثيل الجماعي.

كانت اللقاءات الأولى مع هذه المنظمات، في إطار مهامي، ودية دائماً، لكن شعوراً معيناً بعدم الثقة كان يُلمس سريعاً. ولم يكن ذلك بلا أساس. فكما في العديد من السياقات الأخرى، نشأ هذا الشعور نتيجة سنوات من العلاقات غير المتكافئة، حيث طُلب من المنظمات الوطنية مراراً تنفيذ البرامج، لكن نادراً ما أُتيحت لها فرصة المساهمة في تحديد التوجهات الاستراتيجية. كما كان هذا الشعور نابعاً من ضعف الاعتراف بدورها، رغم أن العديد من هذه الجهات كانت أكثر معرفة بالمجتمعات المحلية والمؤسسات والواقع الاجتماعي من المنظمات الدولية نفسها.

بعد عدة نقاشات صريحة، بدأت مواقف مشتركة بالتبلور. وأتاح الحوار تدريجياً تجاوز المواقف الأولية. كما أصبح ذلك ممكناً بفضل الدور الذي لعبته منصات المنظمات غير الحكومية الوطنية، بما في ذلك “التحالف الوطني الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف)” و”همم”، اللذان أصبحا شريكين رئيسيين في هذه المسيرة الجماعية.

وبدعم من مانحين رئيسيين، ومنسق الأمم المتحدة المقيم، والوزارة الأردنية المعنية بالتخطيط والتعاون الدولي، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أصبح بالإمكان تحقيق خطوة ملموسة تمثلت في دمج المنظمات غير الحكومية الوطنية في هيكل تنسيق الاستجابة.

 

قد يبدو هذا الأمر تقنياً، لكنه لم يكن كذلك. فقد كان يتعلق بالاعتراف بأن المجتمع المدني الأردني ليس مجرد ذراع تنفيذية، بل فاعل سياسي واجتماعي وإنساني قائم بذاته. وكان أيضاً اعترافاً بأن جودة الاستجابة الإنسانية لا تُقاس فقط بحجم التمويل الدولي المُعبّأ، بل كذلك بقدرة النظام على الاستماع إلى الجهات التي ستبقى بعد انتهاء حالات الطوارئ والبعثات ودورات التمويل.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتبرز الدور المحوري لهذه المنظمات. ففي عدة قطاعات، لم تعد هذه المنظمات مجرد جهات يُستشار رأيها، بل تولت قيادة بعض مجموعات العمل الرسمية، ونظمت الاستجابة، ورصدت الاحتياجات، وكيّفت أساليب العمل، وحافظت على صلاتها بالمجتمعات المحلية. وقد أظهرت هذه المرحلة بوضوح أن المنظمات الوطنية الأردنية ليست جهات هامشية، بل تشكل جزءاً أساسياً من بنية الاستجابة الإنسانية.

 

كما ساعد هذا التحالف التدريجي بين المجتمع المدني الدولي والوطني، ولو جزئياً، في التخفيف من آثار التراجع البطيء في الموارد المالية المخصصة للاستجابة للأزمة السورية. فقد أتاح استخدام الموارد المتاحة بصورة أكثر فعالية، وتجنب بعض الازدواجية، والحفاظ على قدرة جماعية في مجالات التحليل والمناصرة والعمل.

كما منح الأردن حضوراً قوياً خلال مؤتمرات بروكسل بشأن الأزمة السورية، من خلال وفود مشتركة نُسقت مع الحكومة الأردنية. وأتذكر على وجه الخصوص اجتماع وفد من هذا النوع مع معالي أيمن الصفدي على هامش مؤتمر عام 2023، إذ مثّل هذا اللقاء رمزاً لنضج جماعي تمثل في إمكانية الحوار بين الحكومة والمجتمع المدني الوطني والجهات الدولية حول استجابة مشتركة.

وقد أتاحت هذه السنوات أيضاً بروز جيل جديد من الفاعلين داخل المجتمع المدني الأردني. فالمهنيون الشباب، الذين يتمتع كثير منهم بكفاءات عالية والتزام كبير وارتباط وثيق بالواقع الاجتماعي للبلاد، اكتسبوا تدريجياً حضوراً أكبر داخل المنظمات وشبكات التنسيق ومساحات الحوار. وأسهم حضورهم في تجديد الممارسات، وتقريب المؤسسات من هموم المجتمعات المحلية، وتعزيز مقاربات أكثر تجذراً في المجتمع الأردني.

 

كما يستحق دور النساء في هذه المنظمات وقفة خاصة. ففي العديد من المؤسسات الوطنية، تؤدي النساء الأردنيات دوراً حاسماً في القيادة، وإدارة البرامج، والتحليل الاجتماعي، والحماية، والتعليم، والصحة، والتنمية المحلية، والمناصرة. ولا يقتصر هذا الدور على التمثيل الرمزي، بل يغير الطريقة التي تُفهم بها الاحتياجات، وتُحدد بها الأولويات، وتُبنى من خلالها الاستجابات. إن بناء مجتمع مدني فاعل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشاركة الشابات والشبان الأردنيين، وكذلك بالمكانة الفاعلة للمرأة الأردنية في المجتمع.

لكن اندلاع أزمة غزة، وما تبعها من تخفيضات حادة في التمويل منذ عام 2024، وجه ضربة قاسية لكثير من هذه الجهود. فقد ضعفت مساحات التنسيق، وتراجعت الموارد، وتغيرت الأولويات، وأصبحت الشراكات التي بُنيت على مدى سنوات تحت ضغط شديد. وما جرى بناؤه بصبر من خلال الثقة والحوار والاعتراف التدريجي بالجهات الوطنية، أصبح فجأة عرضة لانكماش التمويل وتشتت الاهتمام الدولي.

 

وأعادت المنافسة على الوصول إلى التمويل مظاهر عدم الثقة إلى الواجهة، بينما ألحقت الخسائر الكبيرة في الوظائف بين المهنيين الأردنيين العاملين في القطاع مزيداً من الضرر بهذه الجهود.

 

واليوم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت هذه الشراكة ممكنة؛ فهي قد وُجدت بالفعل وأثبتت قيمتها. إن السؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون للالتقاء مجدداً، بمزيد من التواضع والثقة، وبإحساس أوضح بالمسؤولية المشتركة؟

يمتلك الأردن الأفراد والخبرات والمؤسسات والمجتمع المدني اللازم لبناء شيء أقوى. فالمنظمات الدولية والوطنية، والجهات المانحة، والسلطات العامة، والمهنيون الشباب، والقيادات النسائية، جميعهم يمتلكون دوراً أساسياً. ولا ينبغي أن يُكتب الفصل القادم من خلال المنافسة أو التشرذم، بل من خلال تحالفات متجددة.

 

لن يتطلب الأمر سوى شرارة لإحياء هذه الشراكة من جديد؛ ليس للعودة إلى النظام القديم، بل للاستفادة من دروسه وبناء شيء أكثر قوة. ويتعين على المنظمات الدولية أن تتذكر أن الاحترافية لا ينبغي أبداً أن تكون على حساب الالتزام، سواء كان إنسانياً أو اجتماعياً أو مدنياً أو ثقافياً.

فالمجتمع المدني ليس مجرد مجموعة من الإجراءات والأطر المنطقية وآليات الامتثال، بل يقوم أيضاً على القناعة والمسؤولية والقدرة على العمل من أجل المصلحة العامة. وبأقل قدر من الجهد، يمكن للأردن أن يمتلك منظمات أردنية ذات نطاق دولي، قادرة على الاستجابة للأزمات الإقليمية، وهي للأسف كثيرة ومتزايدة.

 

إذا كانت السنوات الأخيرة قد علمتنا شيئاً، فهو أن أياً من الأطراف لا يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده. لكن معاً، وبوجود الإرادة السياسية المناسبة، والثقة المتجددة، والالتزام الحقيقي بالشراكة، يمكن للمجتمع المدني الأردني أن يصبح مرة أخرى ليس فقط ركيزة للاستجابة الوطنية، بل أيضاً مرجعاً للمنطقة بأسرها .إن الشرارة لا تزال موجودة. وكل ما تحتاجه هو أشخاص مستعدون للالتفاف حولها.

 

*باتيست هانكوار هو خبير في الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي، يتمتع بخبرة تزيد عن عشرين عاماً في العمل ضمن سياقات النزاعات والنزوح والأزمات الإنسانية. يحمل درجة الماجستير في إدارة البرامج الإنسانية، وشغل مناصب قيادية عدة، من بينها مدير قطري ومدير منتدى المنظمات غير الحكومية الدولية، مكتسباً خبرة واسعة في القيادة والتنسيق على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة الكاريبي وأوروبا الشرقية وآسيا. ويشغل حالياً منصب مسؤول الشؤون الإنسانية والتنموية والتنسيق الإقليمي في السفارة الفرنسية في الأردن.