وفق كتب المقالات والفرق، تتمحور بدايات علم الكلام الإسلامي حول حركتين سياسيتين هما الشيعة والخوارج، في صراعهما مع الدولة الأموية، واتجاهين عقديين هما القدرية والمرجئة.
العلاقة بين المنظومة السياسية التي لها مقوماتها العقدية والتيارات الكلامية المبكرة ليست جليةً كلياً، بل هي مدار جدل واسع بين المختصين في الدراسات الكلامية من العرب والمستشرقين.
ومن بين الآراء السائدة من يربط القدرية بالخوارج والشيعة معاً لأسباب سياسية وأيديولوجية تتعلق بالموقف المناوئ للدولة الأموية، باعتبارها اعتمدت الموقف الجبري مذهباً رسمياً لها يتناسب مع طابعها «الاستبدادي» (نظرية مونتغمري وات). في حين اعتبر جوزيف فان إس أن القدرية كانت اتجاهاً واسعاً تتقاسمه مجموعات متباينة التصور، ولم تصبح فرقة ضيقة إلا في كتابات مؤلفي الملل والنحل. ويميز فان إس بين القدريين الاحتجاجيين في البصرة والقدريين المعتدلين في الكوفة، التي كان يسيطر عليها الشيعة والخوارج، وكذلك حال القدريين في الحجاز. وفي الشام حدثت الانتفاضة القدرية بقيادة غيلان الدمشقي في أواخر العهد الأموي (سنة 125هـ)، بما يعزز الانطباع بأن الحركة القدرية كانت، في عمقها، انتفاضة سياسية ضد الجبرية التسلطية الأموية.
إن هذه المقاربة السياسية الأيديولوجية هي نفسها زاوية النظر الاستشراقية السائدة لحركة المرجئة. إذ يرى فان إس أنها كانت ردة فعل ضد الفتن والحروب الأهلية التي مرت بها الأمة في القرنين الأولين، بما استوجب تقديم مقاربة منفتحة ومتسامحة تستوعب جميع من يدخل في الإسلام بغض النظر عن ممارسته العملية. وهو الموقف الذي بررته موجة الإقبال على الإسلام في الأمصار المفتوحة والتعايش مع الفرق المختلفة. كما أن مادلونغ فسر انتشار المرجئة في خراسان وما وراء النهر بمطالب المسلمين الجدد، وفي مقدمتهم الموالي، بالاندماج في المجتمع المسلم والمساواة مع غيرهم.
ويكاد يتفق الباحثون على أن القدرية ذابت، منذ نهاية القرن الثاني الهجري، في الاعتزال، في حين ذابت المرجئة، التي كان الإمام أبو حنيفة قريباً منها، في أهل السنة والجماعة، وبصفة خاصة داخل المذهب الماتريدي الذي يتبنى الرأي نفسه في تعريف الإيمان بوصفه تصديقاً بالقلب ونطقاً باللسان، من دون أن يدخل العمل في تعريفه.
ولقد طرح موضوع الجهمية، من حيث التصنيف والمقاربة، معضلة للباحثين. فربطه بعض الدارسين، مثل مادلونغ ومونتغمري وات، بالصراعات بين العرب وغيرهم في خراسان في العصر الأموي، وبصفة خاصة ثورة الحارث بن سريج التي أُعدم فيها جهم بن صفوان سنة 125هـ. أما فان إس فلا يرى في الجهمية سوى «اختراع مصطنع» من نتاج تخيل أصحاب الفرق، وقد ارتبطت، على الخصوص، بالأدبيات الحنبلية والشيعية أكثر من ارتباطها بالفكر السني.
وفي غياب أعمال موثوقة من القرن الأول، باستثناء نصوص محدودة، كرسالة الحسن البصري إلى الخليفة عبد الملك بن مروان حول القدرية، ورسالة الحسن بن محمد بن الحنفية حول الإرجاء، والرسالة المنسوبة للخليفة عمر بن عبد العزيز حول القدر، يصعب تقديم رؤية واضحة ومنسجمة عن النسق العقدي الإسلامي المبكر.
وإذ كان من البديهي أن ثلاث مجموعات إسلامية كبرى تصادمت في العصر الأموي على أساس عقدي وسياسي، وهي الشيعة والخوارج والكتلة الواسعة التي تشبثت بمفهوم الأمة والجماعة وشرعية الدولة، والتي أصبحت لاحقاً أهل السنة والجماعة، فإن الأفكار القدرية والإرجائية لا يمكن النظر إليها على أنها فرق أو ملل قائمة، بل هي إطار نظري واسع انتظمت فيه النقاشات الكلامية المبكرة.
ولقد دارت هذه النقاشات حول إشكاليتين أساسيتين: موضوع الإيمان من حيث المضمون العقدي وما يترتب عليه من انتماء إلى الجماعة المسلمة وخلاص روحي، ومسألة القدر في علاقتها بالتكليف الشرعي وما يترتب عليها من عدل إلهي ومسؤولية إنسانية.
إن هذا النقاش يرجع إلى البنية العقدية الجدلية في النص الديني ذاته، كما يرتبط بتجربة المجتمع الإسلامي الذي توسع كثيراً بعد الفتوحات الخارجية. ومن ثم فلا معنى للنقاش العقيم حول تأثير اللاهوت المسيحي في موضوع القدر أو الأفلاطونية المحدثة في مسألة الصفات لدى الجهمية، باعتبار أن هذا التأثير الافتراضي لا يلغي حقيقة الأصول الداخلية للحركة الكلامية المبكرة في الإسلام.
وما يتضح من المعلومات القليلة التي وصلتنا حول الفكر الكلامي المبكر هو أن الإشكالات التي طُرحت في السياق الإسلامي تختلف نوعياً عن الكوسمولوجيا العقلية الغائية اليونانية، حتى لدى أكثر المواقف القدرية تطرفاً، كالقول إن الله يخلق الخير وحده ولا يخلق الشر، باعتبارها تتعلق بالإشكالية التي يطرحها التوفيق بين عدل الله ومسؤولية الإنسان عن أفعاله. كما أن موضوع الصفات، وما يرتبط به من مركزية مسألة الكلام الإلهي (خلق القرآن)، يتعلق بإشكالية التوفيق بين المغايرة الإلهية المطلقة والتصديق الواجب بالنصوص الشرعية في إسنادها للصفات الإيجابية.
ومن الواضح أن الجيل الأول من المتكلمين لم تكن له آراء متمايزة وقابلة للتصنيف والتحديد في المسائل المطروحة. فكثير من أعلام الطوائف، بما فيها بعض رجال الحديث البارزين، كانوا قدريين، وفق شهادة ابن قتيبة في «المعارف». كما أن الرفض التأويلي العقلي للصفات لم يكن يعني بالضرورة التشبيه المخل بمبدأ المغايرة، ما دام يتأسس على نفي المماثلة ورفض الدلالة الحرفية للنص.
وما تؤكده الأدبيات الكلامية الأولى، بعيداً عن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية الظرفية التي تقبل شتى التفسيرات، هو أن النقاشات العقدية، وإن لم تكن قد استخدمت المناهج والمفاهيم الرصينة اللاحقة، لا يمكن ربطها ميكانيكياً بحالة الافتراق الطائفي (تشكل الملل والفرق)، كما لا يمكن تصنيفها في مذاهب نظرية وفكرية متمايزة.
ولا بد هنا من الحذر من ميل كتب الكلام المتأخرة إلى إعادة بناء الأطروحات السابقة بحسب اهتمامات أصحابها الحاضرة، بما يتمثل لدى المعتزلة في إخضاع مرجعيتهم الأصلية لمذهب الأصول الخمسة الذي ظهر لدى الجيل الثاني من المدرسة، وإدماج بعض الشخصيات التاريخية الرمزية، مثل الحسن البصري وحتى غيلان الدمشقي، بحسب الخياط، في النسق الاعتزالي. كما يتمثل في الخلط الحنبلي بين الجهمية والقدرية والاعتزال، وإنكار الماتريدية لجذورها الإرجائية.