بقلم: جولي هارناك
في كل عام، يُحيي العالم في 20 حزيران/يونيو اليوم العالمي للاجئين، لتجديد التضامن مع الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من بلدانهم وعبور الحدود الدولية بحثاً عن الأمان. غير أن النظام الدولي ما يزال يغفل فئة تشكل الغالبية العددية من المهجّرين قسراً حول العالم: النازحون داخلياً، وهم الأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم بسبب النزاعات أو العنف أو الكوارث، لكنهم بقوا داخل حدود دولهم.
ويواجه النازحون داخلياً المآسي ذاتها التي يواجهها اللاجئون، من حروب ومجاعات وانتهاكات وعنف، إلا أنهم يفتقرون إلى الوضع القانوني والحماية الدولية التي يتمتع بها اللاجئون. فهم لا يشملهم اتفاق اللاجئين لعام 1951، التي تشكل حجر الأساس للنظام الدولي لحماية اللاجئين، كما لا توجد وكالة أممية ذات ولاية قانونية حصرية تُعنى بحمايتهم. ويظل النازحون خاضعين لسلطة دولهم، التي قد تكون في بعض الحالات طرفاً في النزاع أو مسؤولة عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.
وبحسب التقرير العالمي للنزوح الداخلي لعام 2026 (GRID 2026) الصادر عن مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)، فقد شهد العالم، وللمرة الأولى منذ عقد، تراجعاً في إجمالي عدد النازحين داخلياً. إذ بلغ عددهم مع نهاية عام 2025 نحو 82.2 مليون شخص في 104 دول، وهو رقم لا يزال يعكس اتساع نطاق الأزمات الممتدة، لا سيما في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
إلا أن هذا الانخفاض النسبي لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره مؤشراً على تحسن الأوضاع أو اتساع دائرة السلام. فالواقع يشير إلى أن التراجع في الأرقام يرتبط بدرجة كبيرة بانخفاض القدرة على الرصد والتوثيق، وبالضغوط المتزايدة نحو العودة القسرية، أكثر مما يعكس حلولاً مستدامة للنزاعات.
النزاعات تتجاوز الكوارث كسبب رئيسي للنزوح
يُظهر التقرير تحولاً لافتاً في أنماط النزوح العالمي؛ فالمرة الأولى في تاريخ التقرير، تتجاوز النزاعات والعنف الكوارث الطبيعية بوصفها السبب الرئيسي للنزوح الداخلي.
فقد ارتفعت حالات النزوح الناجمة عن النزاعات والعنف بنسبة 60%، مسجلة 32.3 مليون حركة نزوح جديدة خلال عام 2025، في حين انخفضت حالات النزوح الناتجة عن الكوارث الطبيعية بنسبة 35% لتصل إلى 29.9 مليون حالة. إلا أن هذا التراجع لا يعكس انخفاضاً حقيقياً في المخاطر البيئية، بل يرتبط بتقلبات مناخية مؤقتة أكثر من كونه مؤشراً على معالجة جذرية للهشاشة المناخية.
وفي الوقت ذاته، يكشف التقرير عن تحول آخر لا يقل خطورة، يتمثل في تدويل النزاعات المحلية؛ إذ تضاعف عدد الدول التي شهدت نزوحاً داخلياً مرتبطاً مباشرة بصراعات مسلحة ذات أبعاد إقليمية أو دولية، ما يؤكد أن النزوح الداخلي لم يعد مجرد قضية محلية، بل أصبح انعكاساً مباشراً للتحولات الجيوسياسية والصراعات العابرة للحدود.
لبنان: نزوح مستمر رغم وقف إطلاق النار
في لبنان، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى أكثر من 41 ألف حالة نزوح خلال عام 2025، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ويرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير، في ظل التراجع الحاد في التمويل المخصص للرصد والتوثيق.
وبحلول مطلع عام 2026، أسفرت الهجمات المتجددة وأوامر الإخلاء الواسعة – التي شملت نحو 14% من الأراضي اللبنانية – عن نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص، أي ما يقارب خُمس سكان البلاد.
وتتقاطع هذه التطورات مع ما ناقشه مركز النهضة الاستراتيجي في ورقته «الصحافة التشاركية: دروس من يوميات النزوح في لبنان»، التي سلطت الضوء على الأبعاد الإنسانية للنزوح وأهمية إيصال أصوات المجتمعات المتأثرة بالنزاع.
فلسطين: نزوح غير مسبوق في غزة والضفة الغربية
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة نحو 2.8 مليون حالة نزوح خلال عام 2025. وفي قطاع غزة، ما تزال العودة مستحيلة لأكثر من مليوني فلسطيني، في ظل فرض ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، الذي عزل المدنيين عن أكثر من نصف مساحة القطاع.
أما في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فقد ارتفع عدد النازحين إلى 51 ألف شخص، وهو أعلى رقم يُسجل منذ عام 1967. ويعود ذلك إلى تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات اللاجئين، وعمليات هدم المنازل، والعنف المتواصل الذي يمارسه المستوطنون.
وتؤكد هذه الأرقام الحاجة إلى إبقاء قضايا الحماية والنزوح في صلب النقاشات السياسية والإنسانية، وهو ما ينسجم مع عمل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) ومركز النهضة الاستراتيجي في تسليط الضوء على الآثار الإنسانية للنزاعات والنزوح القسري في المنطقة.
سوريا واليمن والسودان: أزمات ممتدة وآفاق هشة
في سوريا، انخفض عدد النازحين داخلياً من 7.4 ملايين إلى 6 ملايين شخص مع عودة بعض السكان إلى مناطقهم. إلا أن استمرار انعدام الأمن، والدمار الواسع للمساكن والبنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية، يجعل هذه العودة هشة وغير مستدامة.
وفي اليمن، أنهى نحو 4.8 ملايين شخص عام 2025 وهم ما يزالون في حالة نزوح داخلي، لتبقى البلاد رابع أكبر أزمة نزوح في العالم.
أما السودان، فقد بقي أكبر أزمة نزوح في العالم للعام الثالث على التوالي، مع وجود 9.1 ملايين نازح داخلياً بحلول نهاية عام 2025.
وتبرز هذه الأزمات أهمية الحفاظ على آليات الحماية والوصول إلى الخدمات الأساسية، وهي قضية تناولتها النهضة (أرض) في تقريرها «الخط الساخن للطوارئ: شريان دعم مستمر 2024-2025»، الذي يسلط الضوء على أهمية الاستجابات المحلية في حماية الفئات الأكثر هشاشة أثناء الأزمات.
عندما يعني انخفاض الأرقام تراجع الحماية
في كثير من الأحيان، لا تعكس الأعداد المتراجعة للنازحين تحسناً في الأوضاع، بل ترتبط بعمليات عودة قسرية وغير مستدامة، تُجبر المدنيين على العودة إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية.
وقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها حول الاتجاهات نصف السنوية للنزوح القسري من تزايد عمليات الإعادة المبكرة وغير الآمنة إلى مناطق لا تزال تعاني من النزاع والدمار.
إلى جانب ذلك، يواجه العالم أزمة أخرى أقل ظهوراً ولكنها لا تقل خطورة: أزمة الرصد والتوثيق. فقد أدى الانخفاض الحاد في التمويل الإنساني العالمي إلى تعطيل عمليات الإغاثة وتقويض آليات جمع البيانات، حتى باتت ثلاثة أرباع الدول والأقاليم المتأثرة بالنزاعات تفتقر إلى بيانات حديثة حول أوضاع النازحين.
ما الذي تخبرنا به هذه الأرقام؟
يوجه التقرير العالمي للنزوح الداخلي 2026 رسالة واضحة: إن التراجع الإحصائي في أعداد النازحين لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن النظام الإنساني العالمي يواجه أزمة عميقة في التمويل والقدرة على الاستجابة.
فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الحروب والنزاعات، بل أيضاً في تراجع القدرة الدولية على رصد آثارها وحماية ضحاياها.
ومن أجل ضمان أن يبقى الأشخاص الأكثر هشاشة مرئيين ومحصيين ومشمولين بالحماية، لا بد من إعادة بناء الاستجابة الإنسانية على أسس أكثر عدالة واستدامة، تقوم على تعزيز الشراكات مع المنظمات المحلية والمبادرات المجتمعية، ودعم الاستجابات التي تقودها المجتمعات المتضررة نفسها، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام القانون الدولي الإنساني.
إن بناء نظام إنساني أكثر قدرة على الصمود لا يبدأ فقط بزيادة التمويل، بل بإعادة توزيع القوة والقرار، وتمكين النساء والشباب والنازحين أنفسهم من المشاركة في تصميم الحلول التي تمس حياتهم ومستقبلهم.




