الأطفال تحت الهجوم: سلسلة متصاعدة من الهشاشة

بقلم جوليا زورزو، متدربة في مركز النهضة الاستراتيجي

 

يشكّل شهر حزيران/يونيو وقفة عالمية للتأمل والمناصرة الإنسانية، إذ يجمع بين ثلاث مناسبات أممية بارزة: اليوم الدولي لضحايا العدوان الأبرياء من الأطفال (4 حزيران)، واليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال (12 حزيران)، واليوم العالمي للاجئين (20 حزيران). وتسلّط هذه المناسبات الضوء على الترابط العميق بين أشكال العنف والانتهاكات التي تطال واحدة من أكثر الفئات هشاشة في العالم: الأطفال.

 

واليوم، يعيش نحو 412 مليون طفل في فقر مدقع، فيما يفتقر ملايين آخرون إلى أبسط مقومات الحياة. كما يعيش أكثر من طفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم في سياقات متأثرة بالنزاعات، حيث يطال العنف كل جوانب حياتهم ويقوض فرصهم في النمو والعيش بكرامة. وبين عامي 2010 و2024، ارتفع عدد الأطفال النازحين بسبب النزاعات والعنف من 17 مليوناً إلى 48.8 مليون طفل، في مؤشر مقلق على تفاقم الأزمات الإنسانية عالمياً.

 

ولا يقتصر أثر النزاعات على التهجير القسري، بل يضع الأسر في دوامة من الهشاشة الاقتصادية والقانونية تدفعها إلى تبني استراتيجيات بقاء قاسية. وفي هذا السياق، يجد الأطفال أنفسهم عرضة لأسواق العمل الاستغلالية التي تحتجز اليوم نحو 138 مليون طفل حول العالم، وتزيد من احتمالات تعرضهم للإساءة والعنف والاستغلال.

 

الإطار القانوني الدولي: أسس حماية الطفل

 

طوّر المجتمع الدولي على مدار عقود منظومة قانونية متعددة المستويات تهدف إلى حماية الأطفال من تداعيات النزاعات والنزوح والاستغلال الاقتصادي.

 

  • اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (1989): تشكل حجر الأساس في حماية حقوق الطفل، إذ تكرّس مجموعة شاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتستند إلى مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”.

 

  • حماية الأطفال في النزاعات المسلحة: عززت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الحماية من خلال إنشاء ولاية الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، إلى جانب البروتوكولات الاختيارية لاتفاقية حقوق الطفل المتعلقة بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة واستغلالهم.

 

 

  • مكافحة عمل الأطفال: تحدد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (138) الحد الأدنى لسن العمل، فيما تحظر الاتفاقية رقم (182) أسوأ أشكال عمل الأطفال، بما في ذلك التجنيد القسري والاتجار والاستغلال الجنسي.
  • حماية الأطفال اللاجئين: تستند إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، إضافة إلى أطر قانونية وإقليمية ووطنية أخرى في العديد من الدول المضيفة.

 

فجوات الحماية والتحديات البنيوية

 

على الرغم من هذا الإطار القانوني المتقدم، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الالتزامات القانونية والحماية الفعلية للأطفال. فالكثير من الأدوات القانونية القائمة لا تستجيب بصورة كافية للاحتياجات الخاصة للأطفال في حالات النزاع والنزوح.

كما أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 صيغت من منظور يركز على البالغين، ولم تتناول بشكل صريح أشكال الاضطهاد الخاصة بالأطفال أو احتياجاتهم المرتبطة بالعمر، مثل الحرمان من التعليم أو التجنيد القسري.

وتتفاقم هذه التحديات بفعل ضعف مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية، ومحدودية الموارد، وهشاشة المؤسسات، وضعف أنظمة حماية الطفل في العديد من الدول المضيفة. كما تحتفظ بعض الدول بتحفظات على أحكام جوهرية في اتفاقية حقوق الطفل، لا سيما تلك المتعلقة بعمل الأطفال، وسن الزواج، ومساءلة الدولة.

وفي ظل غياب آليات إنفاذ فعّالة وعقوبات رادعة، تتحول العديد من الالتزامات الدولية إلى مجرد تعهدات سياسية تفتقر إلى المساءلة الحقيقية، بما يرسخ مناخاً من الإفلات من العقاب.

 

اتساع دائرة العنف والاستغلال

 

يعيش اليوم نحو 473 مليون طفل في دول متأثرة بالنزاعات، بينما يحمل حوالي 13 مليون طفل صفة لاجئ، أي ما يقارب 40% من إجمالي اللاجئين في العالم. ويواجه هؤلاء الأطفال مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال، خاصة الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أسرهم.

 

وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر من العنف في سياقات النزوح والأزمات الإنسانية، حيث يشكلن 95% من الحالات الموثقة، ويتعرضن للاستغلال الجنسي والاتجار والزواج المبكر أو القسري.

 

كما أظهر التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة أن الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في عام 2024 وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بزيادة بلغت 25% مقارنة بالعام السابق.

 

وتؤكد الأدلة وجود علاقة مباشرة بين النزوح وعمالة الأطفال، مدفوعة بانعدام الأمن الاقتصادي، وضعف فرص التعليم، وانتشار الممارسات الاجتماعية التي تتسامح مع الاستغلال. وتشير التقديرات العالمية للعبودية الحديثة إلى أن طفلاً واحداً من كل أربعة ضحايا للعبودية الحديثة يقل عمره عن 18 عاماً، وأن نحو 4.3 مليون طفل يخضعون للعمل القسري.

 

جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا: الأطفال على خطوط الصدع

 

تتجسد هذه الحلقة المتصاعدة من الهشاشة بصورة مأساوية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث تتصادم المبادئ القانونية الدولية مع واقع يومي يعيشه الأطفال في ظل النزاعات الممتدة والانهيارات الاقتصادية.

 

فلسطين

 

بحلول أيار/مايو 2025، قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من 50 ألف طفل في غزة قُتلوا أو أصيبوا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبعد انهيار وقف إطلاق النار في آذار/مارس 2025، قُتل أكثر من 1,300 طفل إضافي وأصيب نحو 3,700 آخرين.

وقد أدى الاستهداف المتكرر للمدارس والمستشفيات والمنازل إلى سقوط أعداد متزايدة من الضحايا الأطفال، ما دفع اليونيسف إلى وصف غزة بأنها “حرب على الأطفال” و”أخطر مكان في العالم بالنسبة للأطفال”.

 

وفي الضفة الغربية، يتعرض الأطفال الفلسطينيون بصورة متواصلة للقتل والإصابة جراء اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية، فيما أدى التصعيد إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.

كما تسبب الحصار المفروض على إدخال المساعدات الغذائية في وفاة أطفال بسبب الجوع وسوء التغذية الحاد، في وقت تعرضت فيه 95% من البنية التحتية التعليمية للتدمير أو الضرر، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم.

 

ويواجه الأطفال الفلسطينيون كذلك أنماطاً متعددة من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتقال الإداري والمحاكمات العسكرية التي تنتهك معايير عدالة الأحداث، فضلاً عن التعرض للإساءة الجسدية والنفسية والجنسية.

لبنان

 

يستضيف لبنان أعلى نسبة من اللاجئين مقارنة بعدد السكان في العالم، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة تجد الأسر اللاجئة نفسها في حالة من الهشاشة المستمرة.

 

وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 68% من الأسر السورية تعيش تحت الحد الأدنى للبقاء، ما يدفع العديد منها إلى الاعتماد على عمل الأطفال في الزراعة والبيع المتجول والقطاع غير الرسمي كآلية للبقاء.

أما اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، فيواجهون أشكالاً متجذرة من التهميش والإقصاء القانوني والاقتصادي، حيث تتجاوز معدلات الفقر بينهم 80%، وتدفع القيود المفروضة على فرص العمل الأطفال إلى الانخراط المبكر في سوق العمل غير الرسمي.

 

نحو حماية أكثر فاعلية

عندما تفشل منظومات المساءلة الدولية، يدفع الأطفال الثمن الأكبر. ففي المشهد الجيوسياسي الراهن، لم يعد الأطفال مجرد ضحايا عرضيين للنزاعات، بل أصبحوا أهدافاً مباشرة وأدوات تُستخدم في الحروب.

 

وتنتج عن ذلك حلقة مدمرة من الهشاشة؛ فالنزاعات تؤدي إلى النزوح، والنزوح يفاقم الفقر والهشاشة الاقتصادية، الأمر الذي يهيئ بيئة خصبة لعمالة الأطفال والاستغلال والعنف، ويترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة تمتد لأجيال.

 

إن كسر هذه الحلقة يتطلب الانتقال من الخطابات السياسية المجردة إلى إجراءات عملية تضمن المساءلة وتُعالج الأسباب الجذرية لاستغلال الأطفال. ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل متفرجاً بينما يدفع الأطفال، في فلسطين ولبنان ومناطق النزاع الأخرى، ثمن الفشل المؤسسي والعجز عن إنفاذ القانون الدولي.

 

وعليه، فإن وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعزيز الاستثمار في أنظمة الحماية الاجتماعية والتعليمية، تمثل خطوات أساسية نحو توفير الحماية والكرامة الإنسانية التي يستحقها كل طفل، بغض النظر عن مكان ولادته أو ظروفه.