لا بد من الإشارة في البداية إلى أننا، عندما نتحدث عن الأشعرية، لا نعني منظومة جامدة ومكتملة وفق الصورة السائدة، بل اتجاهًا فكريًا مرنًا ومتعدد الآراء والمواقف من حيث الأشخاص والأجيال. بل إن استناد هذا الاتجاه إلى مؤسس المذهب، أبي الحسن الأشعري (توفي سنة 324هـ)، لا يعني استنساخ آرائه أو قبولها في جميع تفصيلاتها وجزئياتها.
وفي هذا السياق، يشير دانيال جيماريه إلى أن متقدمي الأشاعرة أنفسهم لم يمنحوه سوى أهمية محدودة، وهو ما يفسر اختفاء جل كتبه التي تذكر بعض المصادر أنها تزيد على مائتين، وإن لم يُعثر منها إلا على ستة كتب، أهمها في عرض أفكاره كتاب «اللمع»، الذي شرحه الباقلاني وابن فورك، وعلّق عليه الجويني في كتابه الأساسي «الشامل»، كما رد عليه القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه «نقد اللمع».
ولا شك أن أهم مصدر يعرض آراءه الكلامية هو «مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري»، الذي ينقل فيه من عدد كبير من كتبه المفقودة. كما خصص له الشهرستاني حيزًا مهمًا في كتابه «الملل والنحل»، وترجم له ابن عساكر والسبكي في نصوص معروفة.
ليس من همنا عرض أفكار الأشعري بالتفصيل، وحسبنا الإشارة إلى أنها تشكل أول محاولة لتأسيس علم كلام سني على طريقة الجدل الاعتزالي، ولكن من منظور مغاير، رغم الرجوع في كثير من المواقف إلى شيخه الجبائي المعتزلي.
وما نعتقد أنه الإرث الأشعري يتلخص في أربع نظريات أساسية، هي: المماهاة بين الشيئية والوجود، وإثبات الصفات من حيث هي معانٍ قائمة بالذات، لا هي عين الذات ولا غيرها، والقول بعدم خلق القرآن مع التمييز بين المعاني القديمة والألفاظ المحدثة، والقول بالكسب في أفعال العباد من منظور اختصاص الله بخلق القدرة والفعل.
لقد بلور الأشعري الإطار التصوري الأساسي لهذه النظريات، وخالفه أصحابه في صياغاتها في نواحٍ كثيرة. ويمكن، وفق التمييز الخلدوني الشهير بين طريقة المتقدمين الجدلية (ربط الدليل بالمدلول) وطريقة المتأخرين المتأثرة بالفلسفة، التمييز بين ثلاثة أجيال متمايزة في التقليد الأشعري، هي:
* الأشعرية الكلاسيكية، التي ترتبط بثلاثة وجوه رئيسية، هي: أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ)، وأبو بكر ابن فورك (ت 406هـ)، وأبو إسحاق الإسفراييني (ت 418هـ). والثلاثة من تلاميذ أبي الحسن الباهلي، تلميذ الأشعري. وأهمهم الباقلاني، الذي لا يتردد بعض الباحثين في القول إنه المؤسس الحقيقي للمذهب من حيث المفاهيم والتصورات والأفكار.
* الأشعرية الفلسفية، التي عادة ما ترجعها المصادر إلى أبي حامد الغزالي (ت 505هـ)، ومن بعده أبي الفتح الشهرستاني (ت 548هـ)، وفخر الدين الرازي (ت 606هـ). إلا أننا نعتقد أن بداية هذا المسلك ترجع إلى أبي المعالي الجويني (ت 478هـ)، الذي اطّلع على كتب الفلسفة وعاصر المنعرج السينوي، وكان الغزالي نفسه تلميذًا له.
* الأشعرية المدرسية المتأخرة، التي بدأت منذ منتصف القرن السابع الهجري على يد سيف الدين الآمدي (ت 631هـ) وعضد الدين الإيجي (ت 756هـ).
ووفق المنهج الذي اعتمدناه، فإن ما يهمنا في هذا الحيز هو الإسهامات الفلسفية التي تركت أثرها في الجدل الكلامي، مع التركيز على الأشعري والباقلاني والجويني والغزالي والرازي، باعتبار أنهم بلوروا الأفكار النظرية الخصبة التي تزخر بها الأدبيات الأشعرية.




